السفير

ثقافة

2006/10/17

 

الخطاب اليساري الذي يقف ضد المقاومة يعزل نفسه
رضوى عاشور: جعلني النقد أخاف الإبداع لكن في النهاية تهورت وكتبت

اسكندر حبش

بين النقد والبحث والكتابة الإبداعية يتوزع نشاط الكاتبة رضوى عاشور. كتابة تحضر كثيرا في زمننا، لتجعلها واحدة من أبرز الكاتبات العربيات. زارت مؤخرا بيروت، وكان هذا الحوار الذي تطرق إلى جملة من القضايا.
سنبدأ، بسؤال يتعلق بالحالة الراهنة، ككاتبة ومثقفة، كيف تنظرين إلى ما حدث في لبنان وما يحدث في العالم العربي؟
? ما حدث في لبنان، كان عدوانا جديدا من سلسلة ما تقترفه إسرائيل على مدى عقود طويلة وكان شرسا وكان ظاهرا، هذه المرة، في أميركيته، أي كان عدوانا مشتركا أميركيا إسرائيليا. نحن نعرف أن إسرائيل ترتبط دائما بالقوة الامبريالية المهيمنة، في البداية كانت مرتبطة بانكلترا، في مرحلة الإنشاء والتكوين الأولى ثم بالولايات المتحدة في المرحلة الراهنة، لكن في هذه المرة بدا لنا، انه كلما رغبت إسرائيل في التوقف، كانت الولايات المتحدة تدفعها باتجاه الاستمرار. أرى أيضا أن المقاومة قدمت نموذجا ملهما في قدرة تنظيم شعبي على أن يواجه إسرائيل ويصيبها بشكل موجع وأرى أن هذا النموذج ملهم جدا للعديد من أبناء وبنات الشعوب العربية، لأننا عشنا طويلا بإحساس أننا غير قادرين على مواجهة إسرائيل وأميركا وغير قادرين على مواجهة مشكلاتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن هذا النموذج يمكن أن يكون ملهما بشكل كبير. كما هو واضح من كلامي أنا متحمسة جدا للمقاومة ولمواجهة إسرائيل عبر المقاومة.
بدون شك أعطت المقاومة نموذجا جديدا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، أن المقاومة تأتي من فكر ديني. كيف يمكن، في المدى البعيد، الاستراتيجي، أن نتفق مع هذا الفكر الديني؟ ربما أننا نجيء من أفكار معينة، من منظومة فكرة محددة، قد لا تتفق، على المدى البعيد، وبشكل جوهري، مع هذا الفكر الديني؟
? أنا أعتقد أن هذا الطرح الآن يمكن أن يكون مؤذيا ومعطلا ومربكا وقد يخدم مصالح متناقضة مع مصالحنا كأمة، أنا مقتنعة بأننا أمة على الرغم من أن البعض قد يختلف معي في ذلك. من هنا، وفي معركة المواجهة مع إسرائيل، أن هذا هو همنا المشترك، وبالتالي إذا كان من قاد هذه المقاومة هو حزب ديني فما من مشكلة في ذلك. إن خطاب المقاومة وتحديدا خطاب نصرالله كقائد لهذه المقاومة هو خطاب سياسي في المقام الأول.
بمعزل عمّا قدمته المقاومة وما يمكن أن نجد من توافق معه، لكن ألا تظنين أن ذلك يطرح أيضا تساؤلا حول الخطاب الآخر، لنقل مثلا، الخطاب اليساري، حين نجد إنها تتحول إلى ملهمة لجيل شاب بأكمله؟
? أعتقد أن الخطاب اليساري الذي يقف ضد خطاب المقاومة فإنه يعزل نفسه، لأن هناك قضية وطنية متصدرة حقا وألاحظ أن حزب الله هو حزب لجموع المهمشين تاريخيا، وبالتالي، حتى بالمنظور اليساري نحن أمام جماعة مهمشة تاريخيا استطاعت أن تنظم نفسها وأن تقود هذه المقاومة. لذلك فإن اليسار الذي يضع أولوية للاختلاف فإنه يعزل نفسه عن عموم الحركة الشعبية والجماهير الشعبية إذا كان من المسموح لي أن استخدم هذه العبارة، لأنه في لحظة المواجهة يختار التركيز على الخلاف وليس على المشترك. وهذه ليست حكمة في اللحظة التي تنزل فيها عليك القذائف من الطائرات الإسرائيلية. القذائف لا تفرق، بل تصيب الكلّ. لذلك فإن التركيز على الاختلاف يبدو مؤذيا.
شئنا أم أبينا، صاغت المقاومة خطابا سياسيا جديدا في العالم العربي وستكون له مفاعيل أخرى في المستقبل، برأيك، هل يمكن لهذا الخطاب السياسي الجديد أن يساهم في تحرك خطاب أدبي ما، أن يكون السبب في إنجاب خطاب أدبي، بطريقة ما؟
? هذا الأمر مفتوح على المستقبل، أعتقد أنه في اللحظة التي تنهمر فيها القذائف بهذا العنف وبهذه الشراسة، أكون أفكر بحماية بنفسي. حماية نفسي تعني المواجهة، تعني المقاومة، هي حماية وجودي المادي ومن خلال هذه الحماية، يتخلق عنها ما يتخلق، يعني أنا الآن أتمثل نفسي امرأة من الضاحية أو من البقاع أو من الجنوب، وأنا كاتبة... في اللحظة التي أرى بيتي محاصرا أو القذائف وهي تنهمر عليّ، همي أولا هو مقاومة هذا الموت وألا أختفي. وقد تكون لحظة بعدها لتؤدي إلى إبداعات غير يائسة وغير مهزومة ولأن الحياة أغنى بكثير مما نتصور، أغنى من الفكرة، وبالتالي أن لن أصدر فكرتي المسبقة عن حزب يساري أو حزب ديني على واقع رأيته بأم عينيّ يتخلق. لقد فجر حزب الله إمكانيات قد تكون أسطورية في البشر العاديين وليس فقط في المقاتلين. يوم أعلن عن وقف إطلاق النار ورأينا كلنا عشرات الآلاف وهم يتوجهون إلى منازلهم، فإن ذلك ليس سوى قوة غير عادية.
لننتقل إلى شق آخر، أنت كاتبة وروائية وباحثة ومناضلة والعديد من...
? لا مناضلة، كلمة كبيرة جدا، بل إنسانة تحاول ببساطة
هذه التشعبات بأسرها إلى أين أخذت برضوى عاشور أو إلى أين أخذت بذلك كله؟
? لا أعرف بصراحة إن كان ذلك سكة سلامة أم ندامة، كنت أمزح من بعض الوقت وقلت أنا روائية لبعض الوقت، وباحثة لبعض الوقت الخ... ربما لو ساعدتني الظروف لكتبت نصوصا إبداعية أساسا لأن ذلك ما أحبه، لكني تدربت كباحثة وعملت في الجامعة فأصبح احترامي لنفسي ولدوري كأستاذة جامعية ومربية وراعية لشباب أصغر أن أكون أكاديمية وأن أبحث ولأن تخصصي في مجال الأدب الانكليزي كتبت في النقد ولكن كان الشيء الملح منذ زمن والذي كنت أخشى منه هو الكتابة الإبداعية ولذلك تأخر إنتاجي في المجال الإبداعي.
بأي معنى كنت تخشين الكتابة الإبداعية؟
? ربما لأنني طموحة وربما لأنني هوجاء كنت أخشى أن أكتب شيئا رديئا، أخشى أن أكتب شيئا لا يضيف شيئا، لم أكن أريد الكتابة لأنشر كتبي بل كنت أريد الكتابة لأحيط بتجربة ما كانت تلح عليّ ولست متأكدة إن كنت مؤهلة لذلك أم لا. أما ما تسميه النضال فهو فقط محاولة أن ألتزم بموقف شريف، أن أتحمل مسؤولياتي كمواطنة.
هل نستطيع الاعتبار أن الناقد الذي في داخلك كان يمنعك من الكتابة، كان يتطلب منك أكثر؟
? هذا صحيح أضف إلى الناقد، دارس الأدب، وبالتالي أعرف ما الذي يعنيه نص عظيم وبالتالي كان ذلك مربكا للغاية، أي أدرس نصوصا كبيرة وأشعر أني أقل بكثير من أن أنجز نصا يقف بين هذه النصوص ويجد له مكانا بينها. كان هذا الأمر معطلا جدا، لكني في النهاية تجرأت أو تهورت أو غامرت وبدأت في الكتابة، قلت هذه تجربتي وهذا ما لدي لعل وعسى أستطيع أن أنجز أدبا له قيمة.
النقد
هل تظنين أن الكاتب بحاجة أحيانا إلى أكثر من خطاب أدبي أو أكثر من لغة: يعني لغة النقد ستختلف عن اللغة الإبداعية، هل هذا التشعب غنى أم تشتت لأي كاتب؟
? أعتقد أنه الأمران معا. كتبت مرة نصا عن تجربتي ككاتبة وقلت فيه، بشأن هذا التوزع، إنني كزوج الاثنتين، إنسانة موزعة بين أمرين وإنني أحيانا أضج بالجامعة وأرغب في التفرغ من عملي. لكني أكتشف لاحقا أن هذا الكلام غير دقيق لأن كل هذه الأمور هي <أنا> وهي تجربتي. ويبدو أنها تصب في النهاية في العمل الإبداعي، بمعنى أنني لما كتبت <ثلاثية غرناطة> اكتشفت أنه لولا تدريبي الكبير في البحث لما استطعت أن أجمع مادة في وقت قد يكون قياسيا، في عشرة أيام زرت خمس مدن في اسبانيا ودخلت مكاتبها وعرفت من خلال الفهارس ما كنت أريده من معلومات بالضبط. ولما كنت أقرأها كنت ألتقط الضروري. علي أن أعترف أيضا أن تجربتي في الجامعة أغنتني إنسانيا مثل أمومتي وزواجي برفقة شخص أحترمه ويعني لي الكثير، أقصد أن الكاتب في النهاية هو إنسان، ومواطن وأحيانا يكون موظفا يعمل في مجال بعيد عن عمله... لكن في النهاية كل هذا يصب في خبرة الإنسان في الحياة. ربما رؤيتي الآن أنضج قليلا.
إذا خيرت اليوم أن تخصصي وقتك لمجال كتابي واحد، ماذا كنت تختارين؟
? الكتابة الإبداعية
لماذا؟
? لأنني محتاجة لها، ولأني ما زلت أحلم بإنتاج نص كبير.
يحكى كثيرا اليوم، عن النقد. هناك الكثير من الأفكار التي تقول إن النقد غائب في عالمنا العربي، وإن النقاد الذين يعملون هم قلة. برأيك هل فعلا نعاني من أزمة نقدية كبرى.
? نعم نعاني من ذلك
وما أسبابها؟
? هناك أسباب متعددة، والنقد عندنا باستثناءات قليلة، ثمة بعض الأكاديميين الذين يقومون بعملهم بدأب. لكن النقد الغالب هو نقد صحافي، مراجعات صحافية، وليس دراسات والمراجعات هذه في حالات قليلة تكون جيدة، ممتازة حتى، لكن في كثير من الأحيان، تكون مجرد تلخيص للكتاب وبالتالي لا تفيد القارئ كثيرا إلا إعلاميا إذ تعطيه فكرة
وإعلانيا..
? بالضبط، غالبا ما اسمي ذلك إعلانا غير مدفوع الأجر. النقد هو حاجة ليست فقط لقارئ النص الأدبي، بل أيضا حاجة مجتمعية في المناظرة بين الأفكار والمواقف. وهو أيضا حاجة للكاتب، لأن الحركات الإبداعية تلازمها حركات نقدية وتستطيع من خلال هذا الحوار والاشتباك أن تنبه الكاتب نفسه إلى أشياء وتعرفه بنفسه أو تعرفه بإمكانية قد لا يكون هو نفسه قد انتبه لها. النقد عندنا أقل حضورا بالتأكيد من النصوص الإبداعية.
التوازن
لو تطرقنا إلى الكتابة الإبداعية عندك، ما الذي دفعك إلى العودة إلى غرناطة، وإن كنت أقرأها كرواية تحاول أن تحاكي اللحظة الآنية الراهنة؟
? أنا لا أختار موضوعا للكتابة عنه ولا حتى حين أجلس لأكتب لا أعرف إلى أين ستقودني الكتابة. <ثلاثية غرناطة> كتبت أولا لأحتفظ بتوازني العقلي والنفسي، هي بنت قصف بغداد العام 1991 كنت أشاهد التلفزيون وأرى قصف بغداد ونتيجة لموقف الحكومة المصرية آنذاك كان يبدو أنه من المفروض علينا أن نفرح مع هذا القصف. لم أكن يومها قد قرأت كثيرا عن تاريخ الأندلس إلا القليل الذي درسناه في المدارس، سواء الشعر الأندلسي أو بعض الشذرات عن هذا التاريخ. لا يعي الانسان تماما كل ما يعرفه، هو يعرف أشياء لا يعي انه يعرفها ففي لحظة شعرت أن هذا القصف لبغداد بكل ما تعنيه هذه المدينة يهددني بالانقراض وتساءلت كيف يحدث الانقراض؟ كيف تنتهي المجموعات البشرية؟ ما الذي يحدث حين يطبق الطوق على مجموعة بشرية في لحظة من التاريخ؟ طوق بلا فكاك وتكون النهاية. كأن هذه الأسئلة نصف واعية ونصف غير واعية انتفضت في وجداني فوجدت نفسي رغبة في القراءة عن سقوط غرناطة. لم أكن أفكر برواية على الإطلاق، كنت امرأة مأزومة لا تعرف ما الذي تفعله في مواجهة هذا التاريخ المتغول عليّ. ذهبت للقراءة عن فترة سقوط غرناطة، قرأت كل ما أمكن أن أحصل عليه. بعدها بشهور وجدت نفسي أكتب وأعتقد أن عملية الكتابة كانت أساسية لاستعادة توازني. وبالتالي لم أختر الذهاب إلى غرناطة.
قلت أنك في هذه اللحظة كانت الكتابة السبب في التوازن، هل ما زلت <تؤمنين> أن الكتابة قد تغير شيئا في عالمنا العربي؟
? ليس بالمعنى المباشر والبسيط لأني سأكون ساذجة حينها إذ أعتقد أن كتابا سيسقط عرشا أو سيهزم إسرائيل، بالتأكيد لا. لكن هي تغير بمعنى أنها تخلق حيزا ثقافيا وجدانيا، هي مساحة من الوعي في النهاية، مساحة من الإحساس، من المعرفة، هي توسع الحيز الضيق وتجعله أوسع، بهذا المعنى هي جهد للأمام.
في رواية <أطياف>، أحببت هذه اللعبة إذا جاز التعبير، في <المقارنة> بين شجر ورضوى، هذا الموج بين المتخيل وبين السيرة. ما الذي دفعك أيضا إلى إقامة هذه المقارنة؟
? لم أختر أيضا ذلك. حدث شيء طريف، عندما بدأت أكتب عن شخصية اسمها شجر، فإذ بي ينتقل الكلام إلى رضوى، فأمام النص، تساءلت هل هي رواية عن شجر أم سيرة ذاتية؟ الحقيقة، صادف في ذلك اليوم أن تميم ابني كان موجودا فقلت له، أكتب عن شجر لكن سرعان ما تتصدر رضوى، فقال لي لمَ لا تكتبين عن الاثنتين؟ كأنه أضاء لي هذا الحيز. فبدأت أبحث عن فكرة عند المصريين القدامى تسمى >القا> أي لكل انسان هناك قرين، لكن ليس بالمعنى القرآني بمعنى ساعة الخلق يخلق هذا الرب الأسطوري في الموروث الفرعوني، يخلق شخصية ويخلق لها شخصية تشبهها في كل شيء، وترافقها طيلة عمره، وعند الموت تبقى هذه الشخصية في القبر ولكن تخرج وتلتقي بالناس وتعود. بدأت أعمل في هذا الإطار لأكتشف كأنني كنت بحاجة للشخصية المتخيلة والشخصية الحقيقية لكي أحمل عليهما معا تجربتي لا الوقائعية فقط بل الفعلية، بمعنى انه قد يكون هناك حدث لا يحدث لي بل لكل من هم مثلي.

 

©2006 جريدة السفير