|
ناجي العلي:
مقابلة أجرتها معه د. رضوى عاشور
هذا نص مقابلة أجرتها معه د. رضوى عاشور و نص المقابلة ليس سرداً لقصة حياته بل هي أيضاً تركز على المبادئ و الأفكار التي كان يؤمن بها ناجي العلي و نشر النص "دار المستقبل العربي" في القاهرة تحت عنوان أنا من مخيم عين الحلوة.
عملت مدرساً للرسم لفترة بسيطة بالكلية الجعفرية في صور ثم أتيحت لي فرصة السفر إلي الكويت للعمل في مجلة "الطليعة الكويتية" حيث كنت اعمل كصحافي و مخرج للمجلة و كسكرتير تحرير ثم بدأت احتل في المجلة مساحة اعبر فيها عن نفسي بلغة الكاريكاتور . و عندما ذهبت إلى الكويت كان كل همي أن أدخر "قرشين" ثم أتوجه بعد ذلك لدراسة الرسم في القاهرة أو في روما ثم اكتشفت أن الكاريكاتور يرضيني و انه لا بد أن أقيم معرضاً لي كل عام أو عامين . في الكويت عانيت كثيراً . لي أصدقاء كثيرون كنا نناضل معاً و سجنا معاً سنة واحدة في الكويت . بتلك المرحلة ولدت شخصية" حنظلة " و يومها قدمته للقراء بشرح واف ."أنا من مخيم عين الحلوة , وعد شرف أن أظل مخلصاً للقضية وفياً لها...الخ.." إن شخصية حنظلة كانت بمثابة أيقونة روحي من السقوط كلما شعرت بشيء من التكاسل . انه كالبوصلة بالنسبة لي وهذه البوصلة تشير دائماً الى فلسطين. أنا شخصيا إنسان منحاز لطبقتي و أنا منحاز للفقراء و القضية واضحة : الفقراء يموتون و يسجنون وهم الذين يعانون معاناة حقيقية . هناك طبعا من تاجر بقضايا الفقراء و هناك من يمر بمرحلة النضال مرور ترانزيت ويطالب بعد ذلك بأن يصير نجماً أبديا . المناضل الحقيقي دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حق الأخرين و ليس على حسابهم. أنا من عين الحلوة مثل أي مخيم أخر أبناء المخيمات هم أبناء ارض فلسطين لم يكونوا تجارا و ملاكاً , كانوا مزارعين فقدوا الأرض و فقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات. أبناء المخيمات هم الذين تعرضوا للموت و لكل المهانة و لكل القهر . و هناك عائلات كاملة استشهدت في مخيماتنا. أثناء الغزو الإسرائيلي حين حدث الغزو
كنت في صيدا , الفلسطينيون
في المخيمات شعروا أن ليس هناك من يقودهم .
اجتاحتنا إسرائيل بعد أن تم الاحتلال كان همي أن أتفقد المخيم لأعرف طليعة المقاومة و المقاومين بها .. أخذت ابني معي - و كان عمره 15 سنة و ذهبنا بالنهار , كانت الجثث ما زالت بالشوارع و الدبابات المحروقة على حالها على أبواب المخيم , لم يسحبها الإسرائيليون بعد . كان الإسرائيليون قد أحرقوا المخيم, و الأطفال و النساء كانوا ما زالوا في الملاجئ , و كانت القذائف الإسرائيلية تنفذ إلى الأعماق و كان قد سقط مئات الضحايا من الأطفال في المخيم في صيدا و عين الحلوة تبعثر الناس بين البساتين مع أطفالهم أما إسرائيل فلمت الشباب (أنا مثلا انفرزت 4 أو 5 مرات) ثم اعتقلت و نقلت معظمهم إلى" أنصار" عندما تركت لبنان كان مخيم عين الحلوة قد عاد الحائط الذي يتهدم يعاد بناؤه و يكتب عليه " عاشت الثورة الفلسطينية , المجد للشهداء " و في أكثر تقديري أن هذا العمل لم يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائياً و كنوع من الانسجام الرسم الكاريكاتوري الرسم بالنسبة لي مهنة و وظيفة و هواية و رغم انني أعمل رساماً منذ عشرين سنة إلا أنني لم أشعر أبداً بالرضا عن عملي . أشعر بالعجز عن توظيف هذة اللغة التعبيرية في نقل همي لأن همي كبير , و الرسم هو الذي يحقق لي توازني الداخلي , هو عزائي و لكنه أيضاً يشكل لي عذاباً . أحياناً أقول أن هذا الكاريكاتور الذي أرسمه يجعل حظي أفضل من غيري لأنه يتيح لي إمكانية تنفيس همي و أن الأخرين قد يموتون كمداً وقهراً من ذلك الهم الذي يجثم على قلوبهم و ينفث سمه اليومي فيهم أنا اعرف أن الرسم يعزيني
|