|

18/01/2002
نصر أبو زيد يقدم رضوى عاشور في ندوة بلاهاي
-
نصوصي الأولى أقرب الي الرداءة وتأسرني المرأة التي تنجب
12 طفلاً –
عدنان حسين أحمد
في هولندا أقامت مكتبة سخلدرس فايك في
مدينة لاهاي ندوة ثقافية للروائية والناقدة المصرية رضوى
عاشور. وقد كانت هذه الأمسية بالذات مميزة لسببين: الأول
أن رضوى عاشور طرحت آراءً جادة وجريئة مع الأخذ بنظر
الاعتبار أنها لم تستثنِ نفسها من هذه الطروحات التي تؤشر
مواطن الضعف في المنجز الروائي العربي إزاء المنجز الروائي
العالمي. والسبب الثاني أن الشخص الذي أشرف علي مهمة تقديم
رضوى عاشور وإدارة الندوة هو المفكر الدكتور نصر حامد أبو
زيد المعروف بحضوره الآسر، وقدرته في الهيمنة علي مشاعر
الحاضرين، ناهيك عن حججه وبراهينه التي تتخلل متن أحاديثة
في الندوات والمحافل الثقافية.
قال د. نصر في معرض تقديمه: (إذا كنا سنستمع إلي رضوى
عاشور فلا بد أن نستمع لها بكل مشاعرنا وقلوبنا). ثم مضي
إلي القول: (جرت العادة أن يُقدّم الضيف أو المحاضر إلي
الجمهور، وأنا هنا أريد أن أقدّم الجمهور إلي رضوى). إذاً،
لقد قلب أبو زيد المعادلة الرتيبة ليُخرج الجمهور من أُطر
الشكليات الضيقة، ويحرره من أُسار الروتين الرسمي الذي
يشّل حركة المتلقي، ويحجّم قدرته في التفكير والمشاركة،
وأضاف أبو زيد: (هذا هو جمهورنا في المهجر يا رضوى، هذا
الجمهور الذي يتوق دائماً إلي سماع كلمة من أبناء الوطن.
هم يحبون أن يلتقوا بالوطن في غربتهم، وأن يلتقي بهم الوطن
في منافيهم، وأنا واثق أن حبل الاتصال سيستمر لحظة أن
يبدأ، ولن ينتهي بعد أن تنتهي المحاضرة). إن هذه الجمل
المعبرة هي بمثابة الصاعق الذي فجّر كل اللواعج الإنسانية
الكامنة في عقل المنفي المُقتلع من جذوره، وهي بمثابة
الهزّة الروحية التي تضمن لأبي زيد انشداد المتلقي طوال
ساعات المحاضرة الثلاث. ولأن رضوى ليست إنسانة عابرة في
حياة د. نصر أبو زيد الأخ والصديق الوفي لعائلة البرغوثي
برمتها (فهي زوجة الشاعر مريد البرغوثي، وأم الشاعر تميم
البرغوثي)، فقد قال بكلمات مليئة بالحنو والشفافية: (يصعب
علي الإنسان أن يقدّم أقرب الناس إلي قلبه. فتشتُ في
دفاتري لأقدم لكم رضوى عاشور فلم أجد خيراً من هذه
القصيدة، وهي ليست لي، فأنا لست شاعراً، ولكنها لشاعر عرف
رضوى، واكتشف رضوى، وأحبها).( يا رضوى يا قمح الخابية
الذهبي/ تُنضجك الشمس المصرية/ خبزاً للفلاحين يقوّتهم/ كي
تبذر أيديهم قمحاً آخر/ وتصيّره أيديهم خبزاً/ أخبرني
النيل أنك ذات صباح/ قدّمتِ له وردة/ فحملها بين الشطين
علي كتفيه/ وأتي بجميع الأطفال/ يحدثهم عن رضوى/ ذات
العينين الواسعتين).
انشغلت رضوى لبعض الوقت، وربما حلّقت إلي ماضي الذكريات
البعيدة ثم قالت:
(شكراً جزيلاً لنصر حامد أبو زيد الأخ والزميل والصديق،
وأعترف أن تقديمه لي بقصائد مريد البرغوثي قد أربكني بعض
الشيء، لأن علاقتي مرتبكة برضوى القصيدة. تظل رضوى القصيدة
أحلي مني بكثير). ثم واصلت حديثها: (حينما أعددتُ هذه
المحاضرة أردت أن أهديها إلي نصر حامد أبو زيد، ولم أكن
أعرف أنه سوف يقدّمني للجمهور. وعندما علمت بعد مجيئي إلي
هولندا قلت ربما سيكون الأمر مناسباً، ولكنني قررت أن
أتجرأ رغم الحرج أن أهديه هذه الشهادة لأنني أعرف أنه سوف
يقول في تقديمه لي كلاماً إيجابياً، لكنني مع ذلك سأهدي
هذه الشهادة إلي نصر حامد أبو زيد. وسوف تعرفون من الشهادة
لماذا أهديتها إلي نصر حامد أبو زيد دون غيره من الأدباء
والمفكرين). المحاضرة كانت بعنوان (التاريخ، اللغة،
الكتابة.. شهادة كاتبة)، ولا بد للقارئ المتابع لكتابات
رضوى عاشور أن يدرك بشكل سريع اهتمامها باللغة والتاريخ
علي حد سواء، فعنوان ثلاثيتها لم يكن عنواناً اعتباطياً،
وإنما جاء نتيجة دراسة وخبرة ووعي بالحدس التاريخي،
وبأهمية لغة ثرة وغنية ومتفجرة مثل اللغة العربية. لقد
لاحظ النقاد والدارسون أن أغلب نصوص رضوى تتعامل مع
الهزيمة، وربما يتأتي هذا الاهتمام كما تقول رضوى لأنها
شهدت العديد من الاعتداءات علي مصر والأمة العربية: (كنت
في العاشرة من عمري حينما هاجم الإنكليز والفرنسيون
والإسرائيليون مصر عام 1956، وكنت في الحادية والعشرين من
عمري حين اندلعت حرب الـ1967). إن هذه الاعتداءات والمجازر
وما رافقها من قمع وقهر هو الذي دفعها لأن تكتب عن الأوضاع
الشاذة التي كانت، ولا تزال، تعيشها الأمة العربية.
فالتاريخ مهدد والجغرافية مهددة علي حد قولها. ثم توقفت
عند نقطة بالغة الحساسية وهي أن أغلب نصوص أبناء جيلها
كانت حافظة للذاكرة إذ تقول: (كان الروائي حكّاءً ومؤرخاً
يدوّن ملامح الواقع التاريخي ويطرح أسئلته. ويصعب في
تقديري تناول نشأة الرواية العربية غافلين علاقتها بأسئلة
التحرر ومشروع النهضة). إن الموضوعات التي تناولها نجيب
محفوظ من وجهة نظر عاشور تختلف تماماً عن الموضوعات التي
تناولها أبناء جيلها أمثال صنع الله إبراهيم وبهاء طاهر
ومحمد البسطامي وإبراهيم أصلان، لأن هذا الجيل عاش الهامش
بأشكال مختلفة، لهذا تناول موضوعات القهر والنفي والإبعاد
والمصادرة بطرق فنية بعيدة عن (النشيد والجلجلة) كما تذهب
عاشور. ثم تناولت ثنائية المتن والهامش في كتب التراث وعلي
الصعيدين الواقعي والإبداعي، وتساءلت تساؤلاً مشروعاً وهو:
(أين تقع الحدود بين ثقافة عناد أصيل ينتج القيمة من موقع
الهامش مادام المتن فاسداً؟) من هنا يبدأ الإرباك، فأغلب
الكتاب لا يمتلكون فرصة البوح والمكاشفة أو التنفيس بمعناه
العام، غير أن رضوى عاشور تصرّح بالفم الملآن أنها محظوظة
حظاً مزدوجاً لأن لديها (مخرجاً في قاعة الدرس، ومخرجاً في
الكتابة) فلهذا تتساءل بقوة: (من قال إنني لا أمتلك
حكايتي، ولست فاعلة في التاريخ؟). كما توقفت عند موضوعات
المرأة المشتهاة وامرأة المحارم واللغة العربية، وذكرتنا
بأيونا الحوذي الذي فقد ابنه في قصة (وحشة) لأنطوان
تشيخوف. هو يريد أن يحكي حكايتة ولنفعل بها ما نشاء. عفواً
رضوى أيضاً تريد أن تحكي لنا حكايتها ولنفعل بها ما نشاء.
بعد انتهاء المحاضرة احتدم النقاش بين الجمهور ورضوى عاشور
وفيا يلي أبرز المحاور التي استعرت بين الطرفين.
تعتمدين في رواية (أطياف) علي المذكرات واليوميات والوقائع
في بناء النص الروائي لماذا لا تعوّلين علي ثيمة محددة من
دون الحاجة إلي التوزع الكثير والواسع في الثيمات التي
تثقل كاهل النص؟ ألم تكتفي بثيمة (شجر محمد عبد الغفار)
وما تضج به من محمولات ثقافية وفكرية وسياسية كي تكون
نموذجاً مؤهلاً تتمحور حوله بقية الشخصيات؟ كما وردت في
الرواية ذاتها أسماء صريحة مثل رضوى عاشور، سعدي يوسف،
مريد البرغوثي، تميم، لطيفة الزيات وآخرين. ما ضرورة ذكر
الأسماء الصريحة؟ وهل يتغير في الأمر شيء إن استبدلتينها
بأسماء أخري غير معروفة مثلاً؟
ــ إن (أطياف) هي سيرة ذاتية، لكنها ممكن أن تسبب لبساً
لأن فيها شخصيات متخيلة. ومع ذلك فمن الممكن أن يقول البعض
لماذا لا تقولين عنها (سيرة ذاتية). والجواب أنا أكتب عن
نفسي بوضوح، وأشير إلي زوجي وابني وأبي وأمي وإلي جدي لأمي
وإلي بيتنا في (المنيل). إذاً، أنا أسجل مساحات من تجربتي
بوضوح، لكن حينما بدأت أكتب وجدت أن هناك امرأة اسمها
(شجر) فعندما أفتح الكومبيوتر للكتابة أجد نفسي أكتب عن
رضوى عاشور، وحينما أفتح الكومبيوتر مرة ثانية كنت أجد
نفسي أكتب عن (شجر) حقيقة تحيرت، هل أكتب عن رضوى، أم أكتب
عن شجر؟ وفي تلك الفترة دار حوار بيني وبين ابني تميم وهو
قارئ جيد للأدب، ومنتج جيد للأدب أيضاً. قلت له كلما أريد
أن أكتب (تطلع لي شجر) زي العفريت. وفي ذلك الوقت كنت أبحث
عن مفهوم (الكا) في الأسطورة المصرية القديمة التي تعتقد
أن الشخص مكوّن من خمسة أجزاء وهي (جسده وكاؤه وباؤه واسمه
وظله). فـ(الكا) هي قرين الانسان، وتشبهه في كل شيء، في
الطول والعرض والملابس والسلوك، ولكن حين يموت الانسان
تبقي (الكا) معه في القبر، ولكنها تستطيع أن تخرج وتتجول
مع الناس ثم تعود مرة أخري. وهي بالنسبة لي طاقة الحياة،
وهي مفهوم مركب وغني وجميل في إمكانياته الدلالية .حينما
أنظر إلي الرواية من موقعي كقارئة، أقول قد تكون الرواية
ناجحة أو فاشلة، لا أدري، لكنني أنظر إليها وأقول أنها
كُتبتْ بهذا الشكل لأنني أردت أن أحيط بمساحات معينة من
حياتي ربما لم تكن الكتابة الروائية الصرفة تفي
باحتياجاته. ولأن كتابة السيرة، أي تسجيل وقائع بعينها في
حياتي فقط، تتطلب تغطية هذه المساحات، لهذا جاء هذا الشكل
المهجن، وربما الجديد إلي حد ما، والذي ينتقل ما بين رضوى
وشجر، ويخلط بين وقائع في حياتي وبين وقائع متخيلة بين
مزدوجين في حياة شخصية روائية واحدة. تجربة الشكل هذه
أعجبت البعض جداً، ولكنها في الوقت ذاته لم تُعجب البعض
الآخر علي الإطلاق. أما الجانب التوثيقي، وهذا لا يخفي
عليك، يقع ضمن إطار اللعبة الفنية. وفي هذا النص تحديداً
كما يقول المصريون (ما خليتش حاجة في نفسي)، كلما عنّ لي
شيء فعلته. في لحظة ما عنّ لي أن أقتبس من لسان العرب
ففعلت. وأحياناً أقول هذا جنون لأن الرواية لا تحتمل أن
تقتبس صفحة من لسان العرب، لكنني فعلت ذلك. كما عنّ لي في
لحظة أخري أن أخترع وثيقة ففعلت. في هذه الرواية، تكتب
المؤلفة رضوى عاشور كتاباً اسمه (أطياف)، وشجر المتخيلة هي
أستاذة تاريخ في نفس سني تكتب كتاباً اسمه (الأطياف).
أطياف هي حكايتي، وأطيافها هي حكاية دير ياسين. لقد جمعت
مادة وثائقية، وكانت عملية الجمع مجهدة للغاية، غير أن
الأكثر إجهاداً هو مقاومة إغراء توظيف المادة التي كانت
تهدد أن تبتلع الكتاب كله. أنا اجتهدت في عرض هذه المادة
بشكل معين وفي فصل واحد. لماذا دير ياسين؟ الجواب طبعاً،
لأنها تجسد الحكاية الفلسطينية، ليس المجزرة وحسب، وإنما
كل التفاصيل التي تشكل خلفية الصراع، وهذا يعني أن هناك
مقاومة ثم هزيمة ثم مأساة. أنا أتصور أن دير ياسين تمثل
الحكاية برمتها. وطبعاً اخترت دير ياسين لأنها من فلسطين
المحتلة في عام 1948، وأنا لست من القائلين إن الضفة وغزة
تخصنا، أما الباقي فلتأخذه إسرائيل بالسلامة. كلا، أنا لا
زلت أقول إن هذه الأرض عربية وإن طال الزمان. لتأخذ هذه
المشكلة 150 عاماً، لا ضير، لكنها تبقي أرضاً عربية، أما
الآخرون فهم غزاة ومستوطنون، وسوف نطردهم في السنوات
القادمة، مثلما هناك مستوطنون في بلدان أخري أزيلوا بالقوة
أو رحلوا من تلقاء أنفسهم.
شجرة هي لطيفة الزيات
هنا تدخل د. نصر حامد أبو زيد ليضفي بعضاً من لمساته
النقدية حيث قال: (أنا أعتقد أن إنتاج رضوى بما فيه
روايتها الأخيرة (أطياف) يتوزع علي همّين أساسيين، همّ
الواقع في السيرة الذاتية والرواية، وهمّ التاريخ في بعض
رواياتها كما في (غرناطة)، والتاريخ هنا نسيج معقد، وليس
وقائع عابرة. في رواية (أطياف) وأنا لست ناقداً، أرادت
رضوى أن تجمع كل هذه الخيوط في نسيج واحد، وطرحت هذه
الإشكالية من خلال ازدواجية (الكا) مع (الأنا) رضوى مع
شجرة. فرضوى تتكلم عن أطيافها، وشجرة التي هي رضوى الأخري
تتكلم عن أطيافها أيضاً، ومن خلال هذين الشخصيتين ينبثق
التاريخ. أنا أعترف أن هذه الرواية قد سببت لي هذه
الأسئلة. حين أجابت رضوى عاشور عن هذا السؤال قالت: (أنا
أردت أن أفعل هذه الأشياء ففعلتها) هي لم تُعطِ تفسيراً
فنتازياً، بل قالت: (أنا عندما أفتح الكومبيوتر تطلع لي
شجرة). وأنا، لا أدري لماذا يتملكني الإحساس بأن شجرة هي
لطيفة الزيات، وأنا أري أن لطيفة الزيات هي جذور رضوى
عاشور.
رسول الصغير
أثارتني قضية المتن والهامش،كما حفزّني قولكِ (إذا أردتُ
أن أفعل شيئاً فعلته) علي التساؤل لأننا عشنا في منطقة
مليئة بالكبت والضغط والدكتاتورية وكنا مهمشين فعلاً. يا
تري كيف تتعاملين مع شخصياتك الروائية؟ هل تمنحينهم قدراً
من الديمقراطية كي يتنفسوا، أم تمارسين عليهم نفس الدور
الذي مورس علينا من قبل؟ وكيف يمكن أن تُحل هذه الاشكالية؟
ــ إن هذه المسألة مرتبطة بنمو الإنسان علي ما يبدو. ففي
نصوصي الأولي كنت روائية أقرب إلي الرداءة، وبالتالي فإن
شخوصي كانوا محكومين أكثر مما يجب من دون أن أعرف. وكلما
تطورت ككاتبة تأخذ الشخصيات مساحة أوسع من الحرية. في
الجزء الثالث من ثلاثية غرناطة (الرحيل) وكنت علي وشك
الانتهاء من الرواية، لكنني لا أعرف كيف ستنتهي الرواية؟
كان (علي) الشخصية الرئيسية في الرواية علي وشك أن يغادر
لأن هناك قراراً بالطرد، كما اكتشفت في الصفحتين الأخيرتين
أن علي استدار ورجع، وأنا لم أفهم ما الذي حدث إلا بعد سنة
ونصف. أي أنني وجدت نفسي كامرأة مصرية جالسة في مكاني أحكي
حكاية المقيمين، وليس المهاجرين. واكتشفت أن الشخصية تصرفت
بما يشغلها، وقد فاجأني هذا الأمر لأنني لم أكن أعرف أنها
سوف تتصرف هكذا. إذاً، يبدو أن المسألة لا علاقة لها
بدكتاتورية الكاتب أو عدمها، وإنما لها علاقة بنضوجه.
إحدي الحاضرات طرحت علي الروائية رضوى عاشور السؤال الآتي:
إلي أي مدي استطاعت المرأة في رواياتك أن تتحرر من ذاتها
بوصفها جسداً، تري هل استعذب البعض لعب هذا الدور المرسوم
لها سلفاً.
أليست المرأة حاملة للثقافة؟ وأليس من حقها أن تُطرح
كنموذج عقلي إلي جانب النموذج الجسدي، الذي نعتز به أيضاً؟
ــ إذا كان السؤال للنص الروائي تحديداً، فان الرواية لا
تُكتب بقرار مسبق دائماً. ولكن يبدو أن النص يأتي بما داخل
الإنسان أيضاً. وبالتالي فأنا أخرج من نصوصي الروائية لكي
أنظر لها بعين الناقدة من الخارج كي أتمكن من الإجابة علي
سؤالك. في لحظة كتابة النص هناك عناصر قد لا أحيط بها
كلها، ولكن هناك شخصيات نسائية عديدة في رواياتي، وغالباً
ما تكون هذه الشخصيات قوية جداً. ففي رواية (غرناطة) هناك
شخصيتان نسائيتان إحداهما طبيبة تعمل في الأعشاب وهي
منشغلة بحفظ تراث الجد الورّاق. والجد الورّاق هو صورة
دالة علي الثقافة. وهذه الحفيدة هي التي تحفظ التراث
والكتب وتنقذ ما يمكن إنقاذه من الكتب.
أما المرأة الأخري فهي التي تقوم بعملية الربط بين
مزدوجين. أنا لا أقلل من دور النساء الأمهات فهن ربّين
وكبّرن وبذلن جهوداً لا يمكن إغفالها . أنا أرسم تجليات
المرأة القوية أياً كان موقعها، سواء أكانت أستاذة جامعية
أو امرأة أميّة. بالمناسبة أنا تأسرني المرأة التي تنجب 12
طفلاً. هذا يعني أن قوة الحياة المدهشة تتجسد في كيانها.
إن إنجاب هذا العدد هو قدرة لحياة متجلية تجعلني أنبهر.
هناك نساء لديهن القدرة والقوة علي التحرر الداخلي وتحرير
الآخرين وهن نساء أميّات . تدخّل د. نصر حامد أبو زيد مرة
ثانية ليعلق علي دور المرأة إذ قال متسائلاً: (كيف يتعامل
الأدب مع المرأة؟ إذا عملنا استعراضاً سريعاً لنجيب محفوظ
عبر شخصية (أمينة) أو المرأة الأخري أم ياسين، التي قالت
لا وهي مهمشة، أو حميدة في (زقاق المدق) المرأة المتمردة
التي كان ينبغي أن تلقي مصيرها. هذا هو موقع المرأة، وحتي
في الأدب العالمي باستثناء (الأم) لغوركي. في (رأيت رام
الله) أعطي مريد البرغوثي مساحة كبيرة لأخيه منيف، ولم
يعطِ هذه المساحة لأمه التي أعرفها جيداً، وليس مهماً أن
تكون أميّة أو متعلمة. الصورة تختلف حسب المتغيرات التي
تحدث في الواقع. ونحن لا نزال نأمل أن نقرأ رواية تتناول
موضوع المرأة بجدية. فحتي الآن هناك أفلام تحمل عنوان
(الشيطان امرأة)، (الخطيئة امرأة). أنا في أثناء حديثي مع
رضوى عاشور قلت (أنا ابن امرأة) لأن أمي لم تختر الطريق
الذي كان يفرضه عليها المجتمع كأرملة لديها أطفال، بل
أصبحت امرأة أخري، وسوف أكتب عنها فصلاً في سيرتي الذاتية،
وسوف أضع في سيرتي الذاتية أكثر من امرأة (بس علي الله ما
يشنقونيش). أنا أتفق معك في أن موقفنا الحماسي مع حقوق
المرأة والمساواة بين الرجل والمرأة، ولكننا عندما نلج إلي
بيوتنا نخلع الجاكيت ونرميه علي السرير وننتظر لكي ترفعه
المرأة وتضعه في خزانة الملابس.
انتشال التميمي
ما هي مكانة الرواية العربية وسط هذا الكم الهائل من
الإنتاج الروائي العالمي؟ ما موقع الرواية المصرية
والعربية إزاء الرواية العالمية؟
ــ هذا سؤال صعب ومُهدد بالنسبة لي كناقدة أيضاً. أنا أكتب
رواية، وحين أتكلم عن الرواية أكون مشمولة بهذا الكلام.
عندنا إنجاز لا بأس به، لكن أملنا أكبر من هذا الإنجاز.
الرواية العالمية قطعت شوطاً لا يُستهان به في المائة سنة
الأخيرة. نجيب محفوظ قدّم كمّاً هائلاً من الروايات صنع من
خلالها عالماً متكاملاً، مترامياً، واسعاً، لكنه عالم
يعززه الكم. فعندما أقرأ ساراماغو أقول ينقصنا ساراماغو.
هل نكتب مثله، كلا، لكن أتمني أن يكون عندنا روائياً
بقامته. أقرأ إمبرتو إيكو أقول ينقصنا إيكو، وهكذا مع
ماركيز وغيره من الروائيين العمالقة. أي إننا نحتاج إلي
هذا المستوي من العمق والاتساع والتمكن والإحاطة والجنون.
نعم، الجنون لأنه عالم مفتوح وغريب ومدهش. أنا لا أسيئ
بهذا الكلام لزملائي، ولا أسيئ لنفسي، ولكني من المؤكد لا
أشعر بالغبطة، ولا أشعر أن الرواية العربية قد حققت ما
يمكن أن تحققه أو تنجزه كما حقق الآخرون، خاصة أن ما نعيشة
يدفع باتجاه الكتابة. وإذا لم نكتب كتابة فذة فهذا يعني
أننا لسنا مؤهلين.
وهذا شعوري ورأيي الخاص. وإلاّ فمتي سنكتب إذاً؟ نحن نعيش
حياة وموت في آنٍ معاً. أي هناك حياة تجلي حاد، وهذا
التجلي يأتي بالكتابة، وفي الوقت نفسه لدينا تراث ولغة
عجيبة، فما أن تفتح لسان العرب وتبحث عن جذر كلمة عربية
حتي تجد نفسك قد قرأت عشرين صفحة عن كلمة واحدة، وهذا غير
موجود في اللغات الأخري. إذاً لدينا لغة وموروث أدبي رهيب
وواقع يحرق، واقع مثقل بالمعاني والأوجاع. فلماذا لا نكتب؟
قد نكون مؤهلين لكتابة رواية تفوق كل ما كتب، أو تقف في
الصف الأول علي الأقل وهذا ما نتمناه. من موقعي كناقدة لا
أعتقد أننا حققنا هذا الشيء أمامنا الكثير من الجهد والتعب
والانقطاع إلي الكتابة.
عبد الهادي الراوي
لماذا لا نستطيع أن نكتب نصاً موازياً للنصوص العالمية علي
الرغم من امتلاكنا لكل الشروط التي ذكرتها سلفاً؟
ــ فاجأها السؤال فأحالته بطريقة ظريفة إلي د. نصر حامد
أبو زيد ملتمسة إياه أن يقول شيئاً ما. ومع ذلك فقد سارعت
إلي القول: لقد فاجأني السؤال، ولم أفكر طويلاً بالأسباب،
لكن ربما نحتاج إلي تراكم الخبرات، ربما علينا أن نأخذ
العمل الروائي بدرجة أكبر من الجدية. ثم أن أغلب الروائيين
العرب غير متفرغين للكتابة الروائية التي تحتاج إلي بحوث
ودراسات قد تستغرق من ثلاثة إلي خمسة أعوام. في حين أن
روائيينا يزاولون أعمالاً ووظائف أخري ربما لا صلة لها
بالأدب أو الكتابة، ثم يأتي أخيراً عامل الخوف والقيود
وانعدام الحريات وحضور الرقيبين الخارجي والداخلي. ثم تهيأ
د. نصر حامد للرد علي هذا السؤال المحرج، فقال: الأزمة
ليست في الرواية حسب، بل في الثقافة العربية كلها، في
بنيتها وهزالها وضعفها. ينبغي علي كاتب الرواية أن يكون
مستنداً علي معارف كثيرة، لكن هل هذه المعارف متاحة؟ وإلي
أي مدي يمتلك الروائي الرغبة في الإطلاع علي هذه المعارف؟
بعض الروائيين لا تتجاوز معرفتهم حدود الروايات،
فالروائيون يقتاتون علي الروايات، والشعراء يقتاتون علي
الشعر. إن أي مُنتج أدبي وثقافي وفني هو منظومة معقدة، غير
أن الثقافة العربية لا تطرح هذه المنظومة بشكل كافٍ. وهذا
الأمر يسحبنا إلي الفكر الديني ومشكلة المجتمع، وإلي
منظومة من المعوقات في الوعي تدعنا نري الصانع الذي لا
يجيد الصنعة. أحياناً ثقافة (الفهلوة) تحدد من إمكانات
المبدع الحقيقي. لذلك ليس هناك صناعة ثقافية ثقيلة، وليس
هناك مكتبات ومعارف ودوائر معلومات. ولا بد من الانتباه
إلي أن إنتاج الأدب لم يعد يعتمد علي المخيلة فقط. أعتقد
أن هذه الأسباب تطرح الأذي الموجود في الحياة الثقافية،
وتفسر ارتباك المثقفين العرب.إذاً، ليست هناك حياة ثقافية
راسخة يعتمد عليها المثقف، ولابد من وجود دعامات أخري، قد
تكون هذه الدعامات نظام سياسي أو حزبي، أو جماعة، أو جمعية
ما. في النهاية لابد من البحث عن دعامات أخري خارج منظومة
الثقافة، لأن منظومة الثقافة العربية هزيلة، لنكن صريحين،
وداخل هذه المنظومة الهزيلة يوجد كل الضعف سواء في الفكر
الديني أو الفلسفة و علم الاجتماع وغيرها من الحقول
المعرفية. ومع ذلك فإن كتيبة المثقفين المتقدمين العرب هم
الذين يصنعون علامات فارقة علي طريق الإبداع، ويظل حلمنا
أن نؤسس مثل هذه الثقافة الرصينة.
ورداً علي أحد السائلين بصدد تجربة إليوت الشعرية أجابت
رضوى عاشور: أنا لا أحب إليوت كناقدة. أنا أدرّس إليوت،
لكنه الآن لم يعد يصلح بشكل عام. صحيح أنه مهّد الأرضية
لما كان يسمي بالنقد الجديد، وكان المنطلق الأساسي من
منطلقاتها هو فصل النص عن منتج النص ومستهلك النص والواقع
الاجتماعي. كانت هذه النظرية سائدة في منتصف الأربعينات
والخمسينات، لكن في منتصف الستينات تغيرت الأمور كثيراً.
الآن لدينا اتجاهات نقدية مشغولة بربط النص بسياقه.
سائل آخر قال: لا بأس علي الروائي أن يجمع المعلومات
والشهادات لكن الشرط الوحيد هو ألا تعوق هذه المعلومات
الحدث الروائي فردت الكاتبة رضوى عاشور علي السائل بالقول:
عندما قرأتَ الرواية هل رأيت أن هذه المعلومات تعوق الحدث؟
فأجاب: أنا لم أقرأ الرواية أصلاً، ثم تدخل د. نصر حامد
أبو زيد معقباً علي الرأي الذي طُرح بصدد إليوت فقال: (كتب
إليوت أهم قصيدة في نقد الواقع الاجتماعي وهي قصيدة (الأرض
اليباب)، كما كتب قصيدة (الرجال الجوف). إن أي ناقد حقيقي
لا بد أن يقف ضد التعالي، وضد توظيف الفن لأغراض نفعية،
لكن الناقد الذي يزعم بعزل الفن عن الحياة. هو إنسان واهم
اللهم إلا إذا ظن أن الأديب كائن مجنح سقط من السماء،
وتتصل به ربات الشعر، لتغذيته بلبنها.
ADHS
|