قطعة من أوروبا
 

يمنى العيد  - السفير

لعلّه من المفيد ان أشير بداية الى ان الرواية العربية اهتمت، ومنذ نشأتها الحديثة، بسرد حكايتها، وأن العلاقة بالآخر اندرجت في سياق هذه الحكاية المروية، ما جعل الآخر يتعدّ ويتنوع حسب مرجعيات هذه الحكاية في الواقع والتاريخ. ففي رواية الرغيف، مثلا، التي تناول فيها توفيق يوسف عواد حكاية الحرب العالمية الاولى في لبنان وما عاناه سكان القرى من اضطهاد وجوع، كان الآخر هو العسكر العثماني التركي. أما في زمن الاستقلال الذي سعى فيه ال أنا الى بناء ذاته فقد ازدوج الآخر او تعوّد. لم يعد فقط الغريب، او الغربي الواضح في هويته السياسية، بل هو ايضا المحلي. الأب او السلطة القامعة، (شأنه في رواية الخندق الغميق لسهيل إدريس)، أما الغربي فقد صار له اكثر من وجه، فهو الآخر الحضاري/ الثقافي الذي نحتاجه ونفيد منه وهو ايضا المستعمر، ما جعل العلاقة به تتخذ طابعا صراعيا (كما هي الحال مثلا في رواية موسم الهجرة الى الشمال للطبيب صالح)، او ما جعل من العلاقة تمايز بين موقفين منه: موقف حواري او وئامي يتبنى قيم الآخر الغربي ليتحرر من الآخر المحلي القامع، وموقف عدائي يجهر بعدائيته للآخر بصفته الاستعمارية. (كما هو الحال مثلا في رواية <<أنا أحب>> لليلى بعلبكي حيث تتبنى البطلة مبادئ سارتر الغربية في الحرية والفردية والارادة لتتحرر من سلطة الأب القامع) والأمثلة على ذلك في الرواية العربية كثيرة، ومعروفة.
ما أود ان أقوله هو أن العلاقة بالآخر، في الرواية العربية، يتحدد، غالبا على قاعدة علاقة ال أنا بذاته ومن منطلق معياري يستهدف تحرير الذات ويناهض معوّقات رقيِّها، وأن الرواية العربية لم تنظر الى الآخر، او تتعامل معه، بمعزل عن هذه العلاقة بين ال أنا وذاته، وبالتالي فإن تحدده كآخر كان رهين هذه العلاقة بصفتها علاقة تاريخية محكومة بمعنى الهوية والانتماء الى الوطن.
وقد يستغرب الكثيرون ان يعرفوا بأن احد الاساتذة الجامعيين المختصين بعلم الاجتماع اجرى استفتاء سأل فيه طلابه: من هو الآخر؟ فكان جواب غالبيتهم: الفلسطيني. كان أولئك الطلاب من المنطقة الشرقية لبيروت، كما كنا نقول، ممن تأثروا بموقف الاحزاب، والقوى، التي حاربت الوجود الفلسطيني في لبنان على قاعدة مفهومهم للهوية اللبنانية وللانتماء الوطني للبنان.
هكذا واستنادا الى مرجعية الحرب الاهلية في لبنان وخلفياتها المفهومية، المتناقضة والمتصارعة، للهوية وللانتماء، وبالتالي لعلاقة ال أنا بذاته، تمثل الآخر، في الرواية التي عرفت ازدهارها في لبنان زمن الحرب، داخل ال أنا نفسه. لم يعد الآخر، في معظم هذه الروايات، خارج ال أنا، شأنه في روايات العقود السابقة على هذه الحرب الاهلية، عقود العلاقة الواضحة مع الغرب الاستعماري. ذلك أن ال أنا بدا، في زمن الاقتتال الاهلي، هو القاتل والضحية في آن.. الآخر هو فيه يتبادل المواقع وتتمارى صوره المزدوجة والمتناقضة، شأنه شأن الآخر الغربي زمن العلاقة الصراعية معه. كأنما الصراع انتقل من صراع مع الآخر الغربي الى صراع داخل الذات، او الى صراع بين أنا متعدد وذات لا تتفق على معنى الهوية والانتماء. وقد ترك مثل هذا الصراع أثره المرضي، المشوّه على بناء الشخصية فبدت الشخصية في معظم روايات اللبنانيين التي حكت عن الحرب، مرتبكة في سلوكها، قلقة في علاقتها مع العالم حولها، تعاني ما يمكن ان يعتبره الوعي الجمعي السائد لا سويَّتها، والذي هو، في الواقع السردي، اختلافها عن هذا الوعي الجمعي السائد الغارق في صراع مرفوض، من منظور الرواية. وعي سائد لا سويّ، لكنه لا يدرك لا سويّته، فيسقطها على المختلف عنه.
ويمكن القول، استنادا الى ما سبق من إشارات، بأن صورة الآخر ليست واحدة، ولا هي ثابتة، في الرواية العربية، بل هي متغيرة تغير الواقع والتاريخ، ومختلفة اختلاف المواقع القارئة لهذا الواقع والتاريخ. وهي، اي هذه المواقع، تتمثل، لدى الكلام على الرواية، من منظور سردي تأليفي يحكي الحكاية ويبني عالمها الخاص بها.
قطعة من أوروبا
تستوقفني في هذا الصدد رواية رضوى عاشور الاخيرة <<قطعة من اوروبا>> (2003)، إذ تطرح مفهوم الآخر والعلاقة به على قاعدة معرفية تستدعي إعادة قراءة التاريخ وتطرح، في الآن نفسه، سؤالها على قوانين الكتابة والنوع من جهة، وعلى مفهوم الراوي باعتبار علاقته بما يروي ومسؤوليته عن حقيقة ما يروي.
نحن لا نعرف الآخر تقول لنا رواية عاشور، او أننا نعرفه ولكن على غير حقيقته. لذا تبدو معرفة هذه الحقيقة هي المسألة: إذ كيف يمكننا ان نعرف حقيقة المرجعي حين نتعامل معه سرديا، اي حين يكون الكلام عنه مرويا قابلا للتأويل، او لأكثر من معنى؟
ثمة اذن أمران اساسيان تطرحهما رواية <<قطعة من اوروبا>>:
الاول يخص المعرفة وعلاقتها بالحقيقة، او يخص معرفة الآخر وحقيقته.
والثاني يخص السرد الروائي وإشكالية علاقة المعرفة التي ينتجها على مستوى المتخيل بالحقيقة التي تقول الواقع والتاريخ (او التي تحيل على حقيقة الواقع والتاريخ..).

شأن الرواية العربية تهتم رضوى عاشور بالحكاية، بما هي حكاية ال أنا، لكن هذه الحكاية تأتي هنا بناء على سؤال يطرحه الأحفاد على الجد محيلا على التاريخ:
<<
ماذا صنعتم يا جدِّي،
كيف أوصلتمونا الى ما نحن فيه؟!>>.
لا يشير السؤال، كما نلاحظ، الى آخر، بل الى نحن الأحفاد وأنتم الأجداد. غير أنه سؤال يضمر اتهاما مقرونا برغبة في المعرفة، ويُلمِح، في الوقت نفسه، الى مسؤولية هي في حدود علاقة نحن بكم، او في حدود علاقة ال أنا بذاته.. لذا فإن الحكاية المدعوة الى الاجابة على هذا السؤال تنزع لأن تكون مسعى لمعرفة الاسباب، وللكشف عن حقيقة ما حدث وأفضى الى ما آل إليه حالنا.. ويكون على المؤلفة التي تكتب رواية ان تسأل نفسها:
كيف نتعامل مع التاريخ عندما نكتب رواية؟
سؤال مطروح خارج الرواية لكنه يتمثل فيها في وسائل وتقنيات سردية وقواعد ومفاهيم بنائية تخص النوع وتجيب، ممارسة، على هذا السؤال.
ففي <<قطعة من اوروبا>> تقدم رضوى عاشور حوارا جميلا وهاما حول علاقة الناظر/ الكاتب بالتاريخ، تاريخ القاهرة، وما تعرضت له من تدمير وبناء وحريق عبر اكثر من عشرة عقود من الزمن.
الناظر هو الراوي/ الجد الذي قرر، ومن منطلق مهمته المعرفية، ان يكتب بدل ان يروي شفاها. المدوّن اكثر مصداقية من المنقول.
يكتب الناظر عن القاهرة، عن وسطها، اي عن المدينة القديمة والحي الذي وُلد فيه... يكتب سيرته بعد ان وصل الى عجزه، كأنه المهزوم الذي يكتب عن ذاته لكن باحثا عن حقيقة جهلها في طفولته وشبابه وظنها في غير ما كانت فيه.
تتعدد المصادر لمعرفة حقيقة ما جرى أسباب الهزيمة : فهي كتب التاريخ (وأبرزها كتاب عبد الرحمن الرافعي)، وهي الوثائق، والتقارير، والبيانات... وهي شهادة من شهد، وهي معاينة الأمكنة (يقوم بها الناظر نفسه)، وهي الرسائل (رسائل بنجامين دزرائيلي الى أختيه).
بأسلوب متنوع يكتب الناظر، يداخل بين الأزمنة ويعيد ترتيب الاحداث وفق وظائفها الدلالية. يحاور الناظر، بصفته كاتبا، ذاته، يقتنع بإمكانية تجاوز مفهوم النوع، او الجنس الروائي، يكسر قواعده المعهودة، لا بد من تحميل الكتابة الروائية مسؤولية ما تحكي وأن تنبني بمعرفة تاريخية، واقعية، مدققة. يعلن:
<<
لست أديبا، لم أدَّعِ أنني اكتب أدبا رفيعا او غليظا او حماسيا، ليذهب الأدب الى الجحيم، جحيمي، او جحيم آخر يختلف. اريد ان اكتب عن رجال ثقال الوزن يجثمون على صدري. خطأ ليسوا مجرد حفنة من الرجال، الآلة كلها تجثم، بحديدها ونظامها وكلامها وتروسها ونضالها، تستقبل القتل بقتل نظيف بلا دم او أنقاض. اي قتل نظيف؟!!!>>.
ثمة آخر هو، كما ترى الرواية، هؤلاء الرجال الذين يجثمون على صدر الناظر الذي يكتب... هو الآلة... الآلة كلها بكل عناصرها ومقوماتها... شبكة من العلاقات لا ينفصل فيها ال أنا عن الآخر، ولا الحاضر عن الماضي، ولا المسار عن عواقبه: مسار التدمير والبناء بما هو تحويل وتوظيف قائم في الديون وبيع اراضي الوطن، في الاستثمارات وهي على حساب الهوية، في رؤوس الاموال ومصادرها المشبوهة، ومقاصدها المفضية الى ما آل اليه حالنا... في التفرنج وهو غير التثاقف، في المنظمات التي حملت اول علم اسرائيلي الى فلسطين.
الآخر موجود في المسار، في التفاصيل، في الجزئيات، وفي كتابة لا تردم فجوات الجهل بالمعرفة، تترك القراءة لتواطئها... تتركها تصدق بأن المؤلف مات وأن التاريخ انتهى وأن التأويل مفتوح على نفي الحقيقة.
يقرأ الناظر المسار ومن اللحمة التي تردم الفجوات تتشكل المعرفة:
يقرأ في الرسائل التي كتبها <<بنجامين دزرائيلي>> لأختيه في الفترة من 1873 حتى وفاته في عام 1881 (1600 رسالة)... يتعرف، ونتعرف معه، الى حقيقة حكاية التدمير والبناء، الى ما ليس هو مجرد تأريخ لوقائع وأحداث، بل قراءة لحركية الواقع ولما بنى علائقه وصاغ أحوال أناسه.
<<
بنجامين دزرائيلي>> هو الذي اشترى أسهم خديوي مصر في قناة السويس لإنكلترا. أو قل:
إن خديوي مصر هو الذي باع أسهمه في قناة السويس الى انكلترا بسبب مديونية الحكومة المصرية لشركة قناة السويس.
البارون <<لايونيل ناثان ماير دي روتشيلد>> هو الذي وفّر المال ل <<بنجامين دزرائيلي>>. إنه صديقه.
هل كان الخديوي يعرف هوية الوسيط ومقاصده ومعنى ان يأخذ المال ليعود فيدفعه مسددا ديونه. وما دلالة الحلقة المفقودة بين من يدفع ومن يأخذ؟
تقول الرواية إن البارون <<لايونيل ناثان ماير دي روتشيلد>> هو واحد من روتشيلدات خمسة، والدهم هو <<أمثل ماير روتشيلد>> وأن منهم روتشيلد بلفور، حفيد روتشيلد قناة السويس.
ينكشف المعنى من البحث والتدقيق الذي يقوم به الناظر (المؤلفة من خلفه)، وتُضاء حقيقة تقول: جميعهم يهود، أثرياء، اجانب، يشترون منذ ايام الجد الاكبر، يموِّل بعضهم بعضا، يتملكون ويسيطرون، ويتحكمون بالمسار.
لكن هؤلاء اليهود، كما تستدرك الرواية، ليسوا <<أبناء حارات اليهود المحليين>> الذين لا يعرفون سوى العربية. <<هؤلاء جاءوا مع موج البحر>> وهم <<يتحدثون الايطالية والفرنسية واللادينو او الروسية والألمانية واليديش فترفعهم اللغة وأوصولهم فوق <<المحليين>> من أهل البلد وتربطهم بأسيادهم الاجانب>>.
ولا هم مثل إدي صالح، اليهودي، صديق الجد، جاره منذ الطفولة. سافر إدي صالح الى فرنسا ثم الى اسرائيل. وبعد التجربة كتب الى صديقه، الجد، يقول له: <<مشروع دولة اليهود والحركة الصهيونية التي غذته كان نكبة مركبة، سرقت من الفلسطينيين ارضهم، واقتلعت اليهود من أوطانهم، وسفكت دماء كثيرة، دم العرب ودم اليهود>>.
سيرة تستدعي سيَراً
في 25 يونيو 1898 يوقع خديوي مصر عباس حلمي <<ديكريتو>> بإنشاء بنك. هو البنك الأهلي.
لكن الجد، يوم كان ولدا، وكذلك والده كان يعمل في هذا البنك، بل والعائلة كلها... لم يكونوا يعرفون ان اوراق النقد التي كان يصدرها البنك كانت مجرد اوراق، وأن هويتها مجرد حروف تُطبع في بريطانيا، لدى آخر.
كان على الجد أن يبحث كيف يعرف أن:
50%
من رأسمال البنك وملكيته هي ملك السيد <<كاسل كناثان روتشيلد>> (وهو يهودي ألماني) الذي مثل الجانب البريطاني.
وال 50% الباقية هي لمصر لكن ممثلة بثلاثة اشخاص هم: يهوديان وفد جدهما من تريستا في جنوب اوروبا وهما: الأخوان <<سوارس>>. ويوناني هو: <<كونستتين سلفا جوس).
مشاعر الاعتزاز التي كان يشعر بها الولد بوالده بصفته موظفا في بنك كان يعتبره جزءا من هويته تتحول الى سخرية ومهانة، نستشعرها دون ان تفصح عنها الرواية، خاصة عندما يتابع الناظر إيغاله في البحث والمعرفة ويكتشف ان <<كاسل>> كان صديقا شخصيا للخديوي عباس حلمي، ومقابل قرض من <<كاسل>> للخديوي، سمح الثاني للأول باستغلال آلاف الأفدنة من اراضي الصعيد، بعد ان كانت الحكومة المصرية قد باعت <<اراضي الدائرة السنية>> الى مجموعة من المستثمرين الاجانب برئاسة <<السيد إرنست كاسل>> نفسه.
مجرد بداية، لا بداية لها، كانت، كما نستنتج، تجذّر النفوذ المالي اليهودي الأجنبي، او المحلي المرتبط بالأجنبي، والمشتغل سياسيا على دعم منظمات صهيونية تؤيّد وعد بلفور، و<<إعادة إنشاء فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي>>، كما تقول الرواية.
عشرات الجمعيات والمنظمات الصهيونية التي نشأت في المدن المصرية بين 1897 و1914 يذكر الناظر أسماءها في ما يروي ويكتب. منظمات تسعى الى توحّدها وتعمل على جعل مصر مركزا لنشر وتوزيع الكتابات الداعية للصهيونية الموجهة ليهود الشرق <<من الجزائر الى الشرق الأقصى>>.
وفي القاهرة ثلاثة أسماء يهودية أجنبية تتقاسم عملية هدم وبناء مثلث ميدان سليمان باشا (الآن ميدان طلعت) بما يتماشى و<<حداثة>> العصر، ويؤمّن الشروط <<الأفضل>> للاستثمار (الاجنبي) والربح (الخارجي). الثلاثة هم:
السيد شارل بهلر، السويسري الناطق بالفرنسية، معه ينتقل <<المثلث من قطعة من انكلترا الى قطعة من فرنسا>>.
السيد جياكومو جروبي، <<سويسري آخر وصل مصر في الثمانينات في القرن التاسع عشر>>، جاء من المنطقة الايطالية من سويسرا، أنشأ مطعما ومتجرا، ومقهى، وهي عبارة عن مشروع ثقافي، كما تقول الرواية، يُرسي ذوقا وتقاليد>>.
السيد يعقوب قطاوي امتلك أراضيَ وشركات وعقارات، توفي عام 1883، وترك أولادا وبنات تزوّجن من أبناء أكبر العائلات اليهودية في مصر، و<<خلفن أحفادا يحملون أسماء منشة وموصيري وسوارس ورولو ومرزاحي..>>، وصار منهم من صار وزيرا او عضوا في المجلس التشريعي، او البرلمان ومجلس الشيوخ، او مديرا للبنك الأهلي او من مؤسسي بنك مصر..>>.
سيرة ذاتية هي رواية <<قطعة من أوروبا>>، ذات المدينة، تاريخها ومجتمعها وأمكنتها. سيرة الهدم والبناء، التفكيك والربط ونفوذ الخارج من الداخل، نفوذ يتمثل في التفاصيل والجزئيات، مما لا يُرى، او لا يحسب له حساب فيتراكم ويؤول الى ما يفاجئ بهوله.
سيرة تستدعي سيرا أخرى لأشخاص ومؤسسات ومنظمات وأماكن... كي تكشف عن معنى الذات في الآخر، آخر محدّد بمقاصده لا بدينه وعرقه. مقاصد هي هوية سياسية قوامها المال والربح والاستثمار، ومآلها وطن عرقي ديني لليهود ارتبط إنشاؤه بما آل اليه حال الأحفاد، وحال مدينة استبيحت ذات يوم للحريق.
إنه حريق القاهرة يوم 26 يناير 1952، الحريق المشبوه، واستغلال الآخر لغضب الشعب ونضالات المواطنين.
تبدو الآلة التي تنفّذ هائلة في عين الناظر. يعترف بعجزه عن الاحاطة بها. لكنه يتبصّر في المسار... ويبدو الربط ممكنا بين ما حدث في مصر وما يحدث في فلسطين... تبدو الأزمنة بلا مسافة: ضراوة النار في قلب القاهرة الرومية صباح يوم سبت تبدو على تماس بضراوتها <<في برجين ومجمع حربي في قارة اخرى يوم ثلاثاء>>.
تُختزل المسافة المكانية/ الزمانية... كأن اللهب يمتدّ عبر الأمكنة والأزمنة ولا نراه... ربما تهمس لنا الرواية لأننا لا نحسن قراءة التاريخ.
مشروع جواب هي <<قطعة من أوروبا>> على سؤال نطرحه نحن على نحن. نحن الأحفاد على الأجداد... الحاضر على الماضي... أما الآخر فليس هو المقصود لذاته... حكايتنا هي ما تهتم به الكتابة... وهو اهتمام قاد المؤلفة الى ممارسة الاختلاف البنائي للنوع الأدبي الروائي.
كتبت رضوى عاشور رواية لحكاية نقّبت عن أحداثها وأشخاصها ونظرت في أحوال أمكنتهم وأزمنتهم، فجاء ما كتبت رواية متوهجة بحرارة المعرفة والصدق، تدقّ أذن القراء بإيقاع جملها الحاد وتشعل الخيال بتركيب مقاطعها وبناء فضاءات عالمها الراكض بنا بين أزمنته العدة، وأناسه الكثر، وزوايا الأمكنة وهي ترتسم وتكتسب بطاقة بهوية مفصّلة.
المعرفة بتاريخية الواقع ومجتمعيته وسياسته ركيزة في رواية رضوى عاشور، أما الآخر فهو كذلك في المسار.
هكذا يترك الناظر (ومن خلفه المؤلفة) لشهرزاد (حفيدته) متابعة البحث مشفوعا بإشراقة أمل، وبرغبة في الافادة من حداثة تعين ولا تعيق... بموقع على الشبكة ييسّر تحصيل المعرفة، وبكتابة على الكمبيوتر تُسهّل ترتيب الأوراق ونشرها...
فالحكاية لم تنته والآخر ما زال في المسار