أطياف

الفصل الأول من الرواية

كان الوادى يفيضُ بالأطياف، أطيافٌ صامتة تميل مع الغروب لتهبط تباعا إلى باطن الأرض حيث النهر المُستتر يحملها فى المراكب مع مجراه المتدفّق إلىالشرق. صمتٌ ثم صوت، خافتٌ ثم يعلو، سوف يتردّدُ فىالوادى بعد سنين

لم تكن تسمع إلا الثلاثة الذين يخصّونها، زوجها وأخويها. ذهبوا ولم يعودوا. أغلقت على أصواتهم الباب، أحكمت إغلاقه بقفل أودعت مفتاحه صدرها. واصلت. كانت فى الخامسة والعشرين، لها طفلان، والثالث ما زال بعد فى بطنها. وضعته بعد ستة أشهر فكان بنتا

 

  سأرعى الصغار والقيراطين، ولا دخل لأحد فى شأنى.

كره أولاد العمومة استغناءها، كرهوا رفضها الزواج من أى منهم، ثم كرهوا قدرتها على إدارة شأنها اليومى كأنها ليست من الولايا. وحين انحسر الغيظ المُعلن والكظيم ظلوا يراقبونها وينتظرون أن تثبت لها الأيام، وتثبت لهم أيضا، بطلان الخروج على ما استنّه الآباء والأجداد. خذلتهم: كبرّت الصغار وكفت حاجتهم. ظلت عيونهم تتابعها. كانت جميلة تزيدها مناعتها حسنا، لايفوتها المشاركة فى الفرح ولا الأحزان؛ تغنى فى الأعراس، وفى المآتم تفوق النادبات بما ترتجله من عديد.

- شجر عنيدة وتكابر!

- شجر أصيلة وعدّاها العيب.

هدأوا، عادوا يفسحون لها مكانا بينهم وهى تصاحب نساءهم، يحملن جرار الماء من النهر أو يذهبن اليه بالأوانى والملابس المتسخة. ومن كان يريدها من الرجال أو يعشقها غض الطرف عنها، كتم رغبته وتناساها حتى بدا أنه نسى.

- امرأة بعشرة رجال!

قالوها يوم شاع فى القرية النبأ، لم تكن أذاعته ولا حكت تفاصيل ماجرى. قالت لابنها البكر: "أبلغ أعمامك أن البنت ماتت". أتوا، رأوا الصبية القتيلة، سألوا: كيف و متى ومن؟ بقيت صامتة. لم تنبس ببنت شفة أربعين يوما حتى ظنوا بها الخرس. ولما عاد إليها الكلام لم تتحدث فى الأمر كأن شهور حملها التسعة والسنوات الأربع عشرة التى كبّرت فيها ابنتها سقطت أو لم تكن. واصلت زراعة الأرض مع الولدين، كانا مثلها قويين، نشيطين، مدبّرين. أنتج كدهم فاشتروا قيراطين جديدين من الأرض ثم عادوا وباعوا واحدا منها لدفع مهر العروسين.

رقصت شجر ليلة العرس ثم رقصت لطهور كل حفيد من أحفادها العشرة. ولما ذهب أصغرهم الى الكتّاب كانت الدار، ما شاء الله، تفيض بالشباب، يقلبّون الأرض ويبذرونها ويرعون نبتها ويحصدونها ثم يقلّبونها من جديد. وتفرّغت شجر لشيخوختها فجاءتها الأطياف.

أول الأمر كانت اللقاءات صامتة. تدخل عليها الأطياف، تجلس فى استحياء. هى أيضا لم تكن تأتيها الكلمات، تسترق النظرات إليهم ثم تعود تحدّق فى كفّيها حائرة لا تعرف إن كان عليها أن ترحّب بهم وتضيّفهم لأنهم أغراب أم تفسح لهم - لأن البيت بيتهم يسلكون فيه حسب هواهم، يتحدثون، إن أرادوا، أو يصمتون. ولما تكررت اللقاءات استعاد الأهل أهليّتهم فى الحديث يعوّضون به سنين الإنقطاع. تسأل أحيانا، وأحيانا تتحدث، وفى الغالب تنصت. كان لديهم كلام كثير عن ساحات الحفر و"عتبة الجسر" والعطش والصكوك. كل هذا عاشوه وخبروه فى شهور معدودة، كيف؟ تتساءل فى استغراب لأنها عاشت قدر ما عاشت، تزوّجت وأنجبت، ترمّلت وكبرّت الأولاد والأحفاد، ناطحت الأهل حين ناطحها الأهل، وما توفّر لها سوى النزر اليسير من حكاية كحكايتهم.

تنصت. لا ترفع عينيها عن وجوههم وأيديهم وهى تنقبض وتنبسط مع مجرى الكلام. وحين يجتمع كل أفراد الأسرة على العشاء، وأكواب الشاى بعد العشاء، تعيد عليهم بعض ما سمعته. لا تنتبه وهى مأخوذة بالحديث أن الصغار يتغامزون ويكتمون ضحكاتهم. واذا انفلت الضحك وانتبهت تقول: كفّوا عن اللعب ياصغار، اسمعوا حكـاية أجدادكم.

ثم أقعدها الوهن. لزمت الفراش، لا تأكل الا كسرة خبز مغموسة فى الشاى المحلّى بالسكر بعد صلاة الظهر، تَبقى عليها حتى نفس الموعد من اليوم التالى. شحّ ضوء عينيها. لم تعد تبصر الا خيالات ولديها وعيالهما. الأطياف بقيت، واضحة كالشمس، تدفئها بالمؤانسة. فاجأتها ذات يوم بما لم تكن تتوقعه قط: اصطحبت معها ابنتها ولم تكن رأتها منذ اليوم الذى ضربتها فيه ثم وجدتها ممدّدة على الأرض بلا حراك.

صرخت شجر صرخة مدوّية أفزعت أهل الدار والجيران. جاءوا راكضين. لم ترهم، لم تسمع أسئلتهم. تعوى وتلطم خديها، لا ترى سوى ابنتها الواقفة أمامها لم ينتقص الزمان من تفاصيلها شيئا: عيناها، ضفيرتاها، ثوبها المنقوش بزهور دقيقة بيضاء، حتى ثدياها علـى حالهما لم تزدهما السنوات امتلاء كأن البنت لم تبلغ بعد. بعد الصخب والبكاء والاتهامات الغاضبة جاء العتب والحديث الهامس الحزين. توغلتا فى شجون الكلام، وعلى غير انتباه امتدت يد شجر إلى يد ابنتها فتماسكت اليدان.

لم تذهب البنت وتأتى كالأطياف. لازمت أمها، صاحبتها ولم تفارقها حتى عندما اختلطت على شجر الأسماء وخبت النظرة فى عينيها. ثم ذهبت شجر. حملها ولداها على أكتافهما ملفلفة فى الأكفان، تبعهم الأحفاد والأهل والجيران. غادروا الدار الى المسجد. صلّوا عليها. نقلوها الى المقبرة.

***

"لماذا شجر؟!"

لم يكن سؤالا بل تعبيرا مباغتا عن الاستياء. إعتبروه سؤالا: "أسميناك على اسم جدتك الكبيرة".

- اسمك شجر؟!

- الشجر عال وكبير. وقد يكون شجر المانجة!!

بدا ذلك الشق الثانى من العبارة مُفحما، فمن سوى البلداء لا يحب المانجة؟!

فى حديقة الجيران شجرة مانجة، شجرة سامقة يتفرع جذعها المعّرق الخشن إلى ثلاثة فروع غليظة كجذوع سواها من الأشجار، تُطلق بدورها أغصانا يصعب عدّها وهى تبين وتختفى بين كثرة الأوراق. لم تكن مجرد مشهد أليف يطل عليه شبّاك الطفولة. تشتهى ثمارها، تلتقطها عيناها وهى حبّات صغيرة خضراء. تتابعها وهى تنمو وتمتلئ. وكأنها تكايدها فلا تنضج الا أيام العطلة الصيفية: تسمع ارتطام الثمرة الناضجة بالأرض فتركض الى الشبّاك، ترى أولاد الجيران وهم يتسابقون الى الثمرة الكبيرة بحجم كفين متلاصقين. وحين يأتى لها أبوها بالمانجة تأكل نصيبها منها بشهوة مزدوجة، تسطعم مذاقها الحلو اللاذع ورائحتها النفّاذة وتقضى شهوة معلّقة فى فروع شجرة سامقة لا تملك ثمارها. قالت بزهو: "كشجرة المانجة!" تراجعت البنات. تقدمت أكثر:

- كشجرة المانجة: عالية وفاكهتها غالية!

فى المدرسة، كسبت الجولة. فى البيت لم تتصالح مع الإسم إلا بعد معرفة الحكاية التى وراءه.

كان موضع خلاف بين جناحى العائلة؛ بل تقتضى الدقة القول إنه وفّر ساحة للاشتباكات غير المُعلنة بين جدها لأبيها وجدتها لأمها. أطلعها جدها عبد الغفار على المناوشات الأولى، قال: "اقترحتُ أن نسميك عزيزة فلم توافق جُلْسُن هانم فقلت: نسمّيها شجر، ما رأيكم فى شجر؟ بدت أكثر انزعاجا. قالت إن كان لابد من إسم يبدأ بحرف الشين فليكن شويكار أو شُكرية. لو لم ترفع صوتها وتشرئب بعنقها وتهزّه كالديك الرومى، لو قالت بلطف: ما رأيكم فى إسم آخر؟ لطاوعتها، ولكنها مطّت شفتيها وعوجت رأسها كأننى قلت سمّوا البنت خنفسة. إغتظت. قلت سنسميها شجر وهذا آخر كلام! وقال أبوك: على بركة الله، مبروك عليكم شجر".

فى ضوء هذه الواقعة تسهل قراءة تلك الصورة الأولى: شجر ملفلفة فى الأقمطة البيضاء لا يبدو منها سوى وجه يميّزه شعر أسود كثيف وعينان مفتوحتان. تحملها ست جُلْسُن على ساقيها، تحيطها بذراعيها، تكاد تغمرها بجسدها الممتلئ. الوجه مقطّب، لا يتطلع الى الوليدة، ينظر الى الأمام بنظرة لاتخلو من الغلّ. هل كان جدها عبد الغفار هو الذى يقف أمامها فيضطرها وهى تتطلع الى آلة التصوير أن تتطلّع اليه أم كانت متأثرة بجراحها إثر هزيمتها فى معركة الإسم؟

لم تتقبل جُلْسُن هانم الإسم ولم تمتنع عن استخدامه. إنقضت عليه كما ينقض العدو على سلاح غريمه فينزعه منه ويصوِّبه عليه. تشدّد على حرف الشين وهى تنطق بكلمة "شجر" بمزيج من السخرية والاستخفاف والتشفّى. متى نزلت شجر الميدان؟ لم تعد تذكر سوى انحيازها التلقائـى إلى معسكر جدها لأبيها. تشبثت بالاسم. تمترست وراءه. أصبح البيرق الدال على الجيش الذى تنتمى إليه.

لم تكن الأرض الحرام بين المعسكرين سوى منضدة خشبية مستطيلة تفصل بين مقعد إلى يمين الداخل يجلس عليه جدها عبد الغفار وآخر يقابله، إلى يسار الداخل، تجلس عليه ست جُلْسُن. تقول شجر وهى بعد نصف نائمة، "صباح الخير يا جدى. صباح الخير يا تيتة"، تدخل الحمام، تفرك أسنانها، تغسل وجهها، ترتدى زيّها المدرسى وتغادر البيت- يصحبها والداها إلى المدرسة قبل أن يتوجها كل إلى عمله- يرفع جدها رأسه عن الجريدة: "مع السلامة"، تتبعه جدتها وهى تواصل التطريز. فى الرابعة بعد الظهر يعودون، تدير أمها المفتاح فى الباب، ينفتح على ست جُلْسُن منهمكة ما زالت فى تطريزها وجدها غافيا على المقعد المقابل. يتنبه لدخولهم، يفتح عينيه، يبتسـم.

كان قوى الذاكرة عفىّ البدن لا ينّم عن شيخوخته سوى تجاعيد الوجه والبقع البنية الداكنة على ظاهر اليدين. طويل القامة، يعزز هيبته قفطان من الشاهى المقلم تضيئ لمعته رصانة لون الجبّة الداكنة، يرتديه للخروج. فى البيت، الجلباب الأبيض وفوقه، فى الشتاء، عباءة بنّية من وبر الجمال.

لا تنفد حصيلته من الحكايات عن المشايخ والأفندية، والوفد والملك والانجليز وسعد باشا، والوكالة والعاملين بها. أبوها لا يسمع هذه الحكايات. يذهب إلى عمله مرة أخرى فى المساء فلا تراه إلا صباح اليوم التالى. أمها أيضا لاتسمعها. هل تسمعها جدتها لأمها؟ لا بد أنها تسمع وهى جالسة فى المقعد المقابل تشتغل فى تطريزها ولكنها لا تضحك عندما يضحكان، لا يبدو عليها التأثر عندما تصيب الرصاصة صدر الولد فتقتله ويحمله رفاقه وهم يهتفون "تحيا مصر".

فى الأول أنجزت ست جُلْسُن ثلاث قطع شُدّت على عوارض خشبية: مشاهد رعوية: رجال ونساء يرتدون ملابس أمراء أوروبيين قدامى يسوقون أغناما فى حقول مزينة بالزهور. علّقت اللوحات فى الصالون فى أطر مذهبة ثم أصرت على تغيير قماش المقاعد لتستبدل به الجديد الذى طرزته: مرة أخرى الأمراء-الرعيان. تتوتر ست جُلْسُن لفتح باب الصالون حتى لو كان الغرض تنظيفه. يفيض توترها عندما يأتى الضيوف ويستخدمون المقاعد ويحتسون ما يقدم لهم من مشروب. لا ترفع عينيها عن يد الضيف الممسكة بقدح الشاى إلا لتثبتها على زوجته "الرعناء" (هكذا ستصفها ما إن تنصرف)، "كان قلبى سيقف وهى تضحك، قلت لن تمر الليلة على خير، سينسكب الشاى على طقم الأبيسون!" أما إن جاء الضيوف بأطفالهم فتلك تكون محنة حقيقية. ثم تأتى زائرة جهمة لا تضحك وبلا أطفال فيبدو أنها عين المراد. تذهب الضيفة وتقول ست جُلْسُن: "كان وجهها أصفر مثل الليمونة، من الحسد، والله أنا رأيى لا نُدخل أحدا من الضيوف الصالون، نستقبلهم فى الصالة!". تعد البخور، ترقى طقم الأبيسون واللوحات الثلاث سبع مرات. ثم تأتى بورقة، تقصها على شكل امرأة، تشكشكها بدبوس ثم تحرقها وهى تتمتم بالدعوات. تخرج وتغلق الباب بحرص.

الباب المغلق لا يثير خيال شجر أورغبتها فى اجتيازه. وراء الباب معلوم: طقم الجلوس مذهّب الحواف يحتل الغرفة، يجعل من الفراغات الفاصلة بين مقاعده الغليظة مجرد ممرات ضيقة تزيدها ضيقا منضدة لها مسطح رخامى أسود لا تتطلع إليه دون أن تذكر يوم اصطدم رأسها بحافته. سال دمها واقتضى الأمرالمستشفى وبعض الغرز. بعدها التأم الجرح وبقيت منه ندبة دقيقة تحت حاجبها الأيمن وسخرية طفل من زملاء المدرسة من الضمادات البيضاء حول رأسها. اللوحات الثلاث والأبيسون زادتها نفورا من الغرفة. شىء واحد فيها تمنّت لو نقلته منها: صورة أمها وأبيها، صورة الزفاف.

أبوها يضحك، يبدو أنه يريد -احتراما للصورة- أن يقيّد فرحه ويبدو عريسا رصينا. تغلبه الضحكة فيظهر معلقا بين الحالتين: حيوية شاب حصل على الفتاة التى يريدها، وطقس العرس الرسمى والصورة التى تثبّته فى عيون الأهل والأولاد وأولاد الأولاد. بجواره أمها فى ثوب أبيض طويل لاتستقيم أبّهته مع طفولة وجهها - فى الوجه عذوبة وبراءة وشىء من قلق- هى أيضا معلّقة، بين الطفلة والأنثى: الطفلة وجلة تتساءل، والأنثى مقبلة علـى استحياء. أبوها فى السابعة والعشرين وأمها تصغره بسبعة أعوام، تتأملهما شجر الآن بعد سنوات من رحيلهما، تعى، وقد تجاوزت الخمسينن أنها تكبرهما بسنوات كثيرة. فى ثبات الصورة كان أبويها مجرد طفلين وكانت، لأن الحياة تمضى، أما لأبويها.

***

ماذا حدث، لماذا قفزتُ فجأة من شجر الطفلة إلى شجر فى كهولتها؟! أعيد قراءة ما كتبت، أتملاّه، أحدّق فى الشاشة المضاءة، أتساءل هل أواصل حكاية شجر الصغيرة أم أعود إلى الجدة القديمة وأتتبع مسار ذرّيتها وصولا، مرة أخرى، إلى الحفيدة؟ والأطياف، هل أبقيها مهمّشة مُبهمة تحوّم على أطراف النص أم أُدخلها فيه وأُفصّل بعض حكايتها؟ وهل أقتصر على أطياف الجدة أم أفسح المجال لسلالة الأطياف، وهل من نص يحتملها؟! قد تقتضى الحكمة أن أمحو ما كتبت وأبدأ فى سرد حكايتى مباشرة. وشجر؟ هل أُبقيها وأعلّق الحكاية بيننا أم أُسقطها وأكتفى بالكلام عن رضوى؟ ولكن لماذا جاءتنى شجر وأنا أشرع فى الكتابة عن نفسى؟ من هى شجر؟!

حرّكت المؤشرة الى قائمة الملفّات وضغطت ثم حرّكتها إلى "إغلق" فاستبدلت بالمسوّدة الشاشة البيضاء. أغلقت الجهاز ودخلت لأنام. نمت نوما مضطربا تداخلت فيه أحلام لم أذكر منها سوى وقعها الثقيل. أصبحت مرهقة كأننى فى نهاية يوم طويل. وأنا أحتسى قهوتى عدت أتأمل ماذا أفعل بشجر.

شغّلت الجهاز وأشّرت على برنامج "كلمات" ثم فتحت ملفّ شجر. كتبت:

ما بك يا شجر، تجرّين عمرك كبغل هرم، هل تتناسخ الخيول بغالا؟! وهذه العربة المكّدسة الثقيلة كيف كانت تبدو فى بداية المطاف؟ حوض فلّ وياسمين أم أن الذاكرة تضفى على الماضى ما لم يكن فيه؟ فى الصباح يبدو كل شىء صعبا، ما الذى تخشينه، هل هزمك الخوف أم أخافتك الهزائم؟ أم أن الموت والحياة يتعريان بلا حياء ويتضاجعان على فراشك وأنت بلا حـول ولا قوة تراقبين، وتصرخين بلا صوت؟ تقولين هذه كلها أوهام، تسقطينها، تقومين إلى صنبور الماء وفرشاة الأسنان وصباح الخير والقهوة. غبار المعارك لم يتبدد بعد ولكنك إذ تقودين سيارتك فوق الجسر المعلّق تستدرجك التفاصيل: نخلة تحمل عودها باعتداد، غيمة سارحة، مجرى النهر، سائق سيارة يتجاوزك بجلافة فتلعنين والده بصوت مسموع ثم تكتشفين أن صوتك لم يصله لأن نوافذ السيارة محكمة الإغلاق.

(كان المقاتل مات/ جاءه رجل وقال: "لا تمت فأنا أحبك كثيرا!"/ ولكن الجثمان، يا للحسرة، واصل الموت./

جاءه اثنان آخران، قالا له:/ "لا تتركنا! تشجّع! إرجع الى الحياة!"/ ولكن الجثمان، ياللخسارة، واصل الموت./

ثم جاءه... (كل أحبابه)/ أحاطوا به؛ رآهم الجثمان الحزين، هزّه التأثر / نهض ببطء/ احتضن أول شخص؛ وبدأ يسير.)*

***

وقّعت شجر واستلمت المظروف البنى الذى سبق أن أغلقته وسلمته إلى الكونترول قبل أسبوعين. حملت المظروف. سارت باتجاه اللجنة. نظرت فى الساعة: تمام التاسعة إلا سبع دقائق. انتظرت دقيقتين. سلّمت المظروف للمراقب. فضّه. أعطى رزما من ورق الأسئلة للملاحظين. توزعوا مهرولين بين الحجرات والممرات لتسليم الطلاب أوراق الأسئلة. فى تمام التاسعة بدأ الامتحان.

منذ تعيّن عليها الاستعانة بالعصا فى السير تقبّلت الأمر بهدوء أدهشها، تصالحت مع المشكلة؟ ماالمشكلة فى أن تصاب فى ساقها فتضطر وهى فى الخمسين إلى السير على عصا؟! ركضت طويلا وكثيرا فما الضير فى أن تدخل عقدها السادس تلازمها العصا لتذكّرها أن الطفلة والصبية، وبهاء المرأة فى الثلاثين، وفى الأربعين، تغادر جميعها الآن وتترك لها مهمة مواصلة الطريق باتجاه الشيخوخة؟! تنسى وجود العصا. فى الامتحان تذكره. تكره دقّاتها على الأرض، تزعج الطلاب، تشتت انتباههم، لا تسمح لها بالاقتراب فى هدوء من أحدهم لتلقى نظرة سريعة على كراسة الإجابة وتطمئن خلسة أنه لا ينقل من ورقة خارجية حملها ليغش منها. تصبح العصا جرسا صغيرا منبّها؛ يرفع الطالب رأسه ويتطلع أو لا يفعل حياء أو خبثا. تزعج العصا الجالس فى أمان الله منهمكا فى التفكير فى الإجابة، وتنبّه السارق الصغير بجهاز إنذارها المبكر.

لم تعد تمشى فى اللجان. تدخل اللجنة، تختار لنفسها موقعا يتيح لها مراقبة الطلاب. جندى حراسة يشرف على مبانى السجن من أعلى البرج، لا ينقصها سوى بندقية تشرعها فى وجه المساجين، يا إلهى، أى دور؟!

انتهى الامتحان. جمع الملاحظون أوراق الاجابة. عادت إلى مكتبها. طلبت القهوة. احتستها. وقّعت بعض الأوراق. ناقشت دارسا فى مشروع بحثه. نزلت إلى "الكونترول" لاستلام أوراق الإجابة. أحصت الأوراق واستلمتها: خمسمائة ست وخمسين كراسة إجابة على امتحان مادة التاريخ الحديث للفرقة الرابعة. قام أحد المعيدين بربطها بخيط من الدوبار. حملها الساعى إلى سيارتها. فى البيت وضعتها فى غرفة المكتب. أغلقت الباب بالمفتاح. غدا تبدأ الطقس السنوى.

فى سريرها أغمضت عينيها لتنام ولكنها رأت الأوراق التى صححتها طوال ثلاثين عاما. عشرات الآلاف من كراريس الإجابة ترتفع من حولها أعمدة تسد الفضاء، تترك لها حيِّزا صغيرا تجلس فيه. القلم الأحمر فى يدها. نظارتها على أرنبة أنفها. الكراسة مفتوحة أمامها تفيض سطور الإجابة عن صفحاتها . فتحت عينيها. فزّت قائـمة بجذعها. ترّبعت على السرير. ليس صحيحا! هناك دائما طاقة، ضوء، هواء عصفور. لا تُنكرى ياشجر، ولم يكن أبدا عصفورا واحدا. دائما تأتيك، دائما تفاجئك تلك الطيور المدهشة، تخرج من بين الأوراق، تحملك معها إلى رحب الفضاء. من يتصل فى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ رفعت سماعة التليفون. "امرأة ناجحة؟... ما شأنى بذلك؟... مقوِّمات النجاح؟ سيدتى نحن فى منتصف الليل!". وضعت السماعة. سحبت سلك التليفون من الفيش.

About

Sed, luctus vitae, dolor. Nunc mauris eros, vehicula id, fermentum non, semper ac, nisl. Cras sed purus non justo lobortis rhoncus. Morbi consectetuer augue.

From the gallery


Design downloaded from Zeroweb.org: Free website templates, layouts, and tools.