قطعة من اوروبا
مدخل
في نوفمبر عام 1943، اصطحب تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، الرئيس الأمريكي روزفلت لمشاهدة أبي الهول. لاحقا، كتب تشرشل في مذكراته: "حدّقنا فيها لبضع دقائق لفّنا فيها الصمت، وقد بدأ الليل يخيم بظلاله على المكان. لم تقل لنا شيئا. احتفظت بابتسامتها الغامضة." استوقفني تأنيث تشرشل لأبي الهول، عللت ذلك بتأثر المخيِّلة الإنجليزية بالصورة الإغريقية القديمة التي تقدمه على شكل امرأة لها جسم أسد ورأس إنسان، تطرح الأسئلة الصعبة، وتقتل من يخطئ في تقديم الإجابة الصحيحة. لم يعبِّر تشرشل عن الفزع الذي عبّر عنه الرحالة الأوروبيون في القرن التاسع عشر فيما كتبوه عن مشاعرهم وهم يتأملون التمثال: "جمّدنا بنظرته المفزعة"، هذا ما كتبه الروائي الفرنسي فلوبير، وأضاف أنه أحس ببوادر دوار، وخشي أن يفقد السيطرة على نفسه. وكتبت هارييت مارتينو عبارة محيّرة تقول: "لا يملك الوافد الغريب على المكان إلا أن يفشل تماما في رؤية أبي الهول، أو يراه فيرى فيه كابوسا." ليست ترجمتي مصدر الغموض في الكلام، الأصل الإنجليزي غامض مُلْتَبِس: ما الذي تعنيه بـ "يفشل تماما في رؤية أبي الهول؟" هل تعني أن ينظر المرء إليه فلا يراه كأنه غير موجود؟ لو صح هذا التفسير فما تقوله السيدة الإنجليزية يعني أن التمثال يشكِّل للغريب كابوسا لا مهرب له منه إلا بتجاهله وإنكار معناه. ربما أسهم هذا التراث في تشكيل مُخَيِّلَة ييتس وهو يكتب قصيدته الشهيرة التي يربط فيها بين اختلال العالم وظهور أبي الهول: وحش مُرَوِّع يزحف ببطء إلى بيت لحم ليولد من جديد، لكن ظهوره، في مُخَيِّلة الشاعر ومنطق القصيدة، لا يأذن بعودة المسيح وخلاص البشر، بل بقيامة معكوسة حيث "لا يسمع الصقر صاحبه"، ويغرق العالم في "الموجة المُعْتِِمة بالدماء". تصبح صورة أبي الهول في نص ييتس مرادفا لظهور حضارة وحشية تُغرق "طقس البراءة"، وتُغرق معها الحضارة الأوروبية. أما المقريزي فيشير إلى أبي الهول باسمين شائعين في زمانه أولهما "بلهيب" (من الهيبة، ربما) والثاني "طلسم الرمل"، لأنه يحمي مصر من جور الرمال عليها. يصف المقريزي أبا الهول قائلا: "في وجهه حمرة ودهان يلمع عليه رونق الطراوة، وهو حسن الصورة مقبولها عليه مسحة بهاء وجمال كأنه يضحك مبتسما." يشير المقريزي أيضا لتمثال آخر لم يعد له أثر، كان يقع في الجانب المقابل لأهرام الجيزة، على الشاطئ الشرقي للنهر فيما نسميه الآن حي مصر العتيقة أو إلى الجنوب منه. يقول المقريزي: "طلسم الرمل يقابله في بر مصر صنم عظيم الخلقة والهيئة متناسب الأعضاء كما وُصف، في حجره مولود وعلى رأسه ماجور، الجميع صوّان مانع يزعم الناس أنه امرأة وأنها سرية أبي الهول المذكور، وهي بدرب منسوب إليها، ويقال لو وُضع على رأس أبي الهول خيط ومُدّ إلى سريته لكان على رأسها مستقيما، ويقال أن أبا الهول طلسم الرمل يمنعه عن النيل، وأن السرية طلسم الماء يمنعه عن مصر... وذُكر أنه طلسم النيل كي لا يغلب على البلد، وقيل إن بلهيب الذي عند الأهرام يقابله، وإن ظهر بلهيب إلى الرمل وظهر هذا إلى النيل وكل منها مستقبل الشرق. وقد نزل في سنة إحدى عشرة وسبعمائة أمير يعرف ببلاط في نفر من الحجّارين والقطّاعين وكسروا الصنم المعروف بالسرية وقطعوه أعتابا وقواعد ظنا منهم أن يكون تحته مال، فلم يوجد سوى أعتاب من حجر عظيمة فحفر تحتها إلى الماء فلم يوجد شيء، وجعل من حجره قواعد للعمد الصوان التي بالجامع المستجد بظاهر مصر المعروف بالجامع الجديد الناصري." ليس الموضوع "أبو الهول"، ولا تشرشل ولا المقريزي، بل هذه الرغبة غير المفهومة تماما وربما غير المبررة في كتابة حكايتي. أقول ليس مقبولا ولا معقولا، وأنا في الخامسة والستين، أن أهبط على الكتابة هبوط مظلّي غير مدرب، يقفز من علٍ لأنه يريد، ويعي أنه- للناظرين، ولنفسه - يبدو مضحكا في حركاته غير المحكومة، وقد يسقط فيدق عنقه، ثم ما هي المظلة التي أشرعها فوق رأسي؟ في عام 1943 حين ذهب الرجلان لرؤية أبي الهول بعد اجتماع ضمهما في فندق مينا هاوس، كنت في السادسة من عمري، لم أتعرف بعد على صورة الرجل البدين ذي القبعة والسيجار -أقصد تشرشل، والرجل الآخر- روزفلت- ذي الرأس المدور والعدستين المدورتين لنظارته الطبية. وفي العام التالي حين تدور المعارك الطاحنة في العَلَمِين وتخلِّف آلاف القتلى في ساحل مصر الشمالي، سيبقى اسما رومل ومونتجمري كأسماء تشرشل وروزفلت مجرد كلمات، لا أدري إن كانت تشير إلى أماكن أو أشخاص أو أنواع من الطعام. تدريجيا، ومع مرور الوقت، ستحمل الأسماء- والسنوات أيضا- معانيها، وتمتلئ بها كجرار كبيرة مستقرة في غرفة خزين نصف معتمة في قاع البيت، أو مرفوعة على ظهر ناقة تشي خطواتها الوئيدة بحملها الثقيل. هل يمكن أن أعيد التشبيه؟ أحاول. ستحمل الأسماء- والسنوات أيضا- معانيها، وتمتلئ بها كالمدينة نفسها: شوارعها وبناياتها والتماثيل في ميادينها. في طفولتي كانت الأماكن بلا حكايات، لا أعرفها إلا بالنظر وعبورا، مجرد هياكل في خلفية مشهد أسريّ، أهرام الجيزة مثلا تصبح، حين نعرّيها من حكايتها، كالرمال التي تحيط بها، خلفية للرحلة المدرسية، أو مثلثات ثلاثة تناسب الجانب الأيسر من الصفحة البيضاء في كراسة الرسم، مجرد أشكال يخطها قلم الطفل في دقيقتين، خفيفة، كأنها لا شيء. *** في هذه الرواية أنا الناظر. ليس هذا الاسم هو ما اختاره لي والديّ، ولا هو كُنيتي التي يناديني الناس بها، أنا الناظر لأن مهمتي النظر، أنقل عبر حكايتي ما نظرت إليه من نظر العين والقلب، أي ما رأيته بالبصر والبصيرة. حين رجعت إلى المعاجم لأتأمل مادة "نَظَرَ" وأطمئن أن الاسم يفي تمام الوفاء بالغرض، استوقفتني عبارة "ناظرُ العين"، وهي النقطة السوداء الصافية التي في وسط سواد العين، وبها يرى الناظر ما يُرى، وهي البصر نفسه، وهي أيضا عرق في الأنف (أو عرقان على جانبي الأنف) فيه (أو فيهما) ماء البصر، أترجمهما بلغتنا المعاصرة إلى قناة الدمع. قلت هذا اسم يناسبني، ثم عدلت عن استخدامه لغرابته، وأيضا لمنافاته الدقة، فما أرويه ليس البصر نفسه بل ما رأيته فأعجبني أو ساءني، أتفكَّر فيه وأقدِّره قياسا على موقعه مني وموقعي منه. ثم أعجبتني "نظيرةُ القوم" وهو طليعتهم، ينظر إليه قومه، يمتثلون ما أمتثل، وهو طريقتهم، ولكني وجدت هذا الاسم الثاني تماما كسابقه غير مألوف ويفتقد الدقة، فأنا، على عكس نظيرة القوم، رجل وحيد معتكف في داره، لست طريقة أهلي، ربما كان لي أهل أتعرف عليهم ذات يوم، ولكن هذا أمر مستبعد لأن العمر لن يمتد طويلا. أنا الناظر، منظرتي تلّة عمري، أقف عليها رقيبا وحارسا، أنتظر وأعتبر وأقدِّم دلائل المحبة، لأن النظر في لسان العرب دليل محبة، وترك النظر دليل انصراف أو بغض وكراهية. ربما كان هذا التوضيح زائدا عن الحاجة، يستبق الرواية بإعلان ما قد تشير إليه وتضمنُّه، ولكني أردت رفع اللبس، لأن كلمة "الناظر" في العربية الدارجة في مصر تحيل إلى مدير المدرسة، وفي الماضي غير البعيد كان الوزير المتنفِّذ يدعى الناظر، يدير شئون نظارته المحدَّدة ويحكم سير الأمور فيها. لم أعمل مديرا لمدرسة في حياتي، ولا توفرت لي سلطة الإدارة والمديرين، ناظر المدرسة أو الوزارة ينافي المقام والمقال وتجربتي، كيف لي وأنا أقصد الدقة والأمانة أن أترك لاسمي الدال على مهمتي أن يسحب خيال القارئ إلى طريق مفارقة تغيِّر المعنى وتعكسه؟