قطعـة من أوربـــا وحكاية القاهرة الرومية
بقلم: جابر عصفور
42553 السنة 127-العدد 2003 يونيو 9 9 من ربيع الثانى 1424 هـ الأثنين
رواية رضوي عاشور الأخيرة قطعة من أوربا رحلة استعادة,
وفك شفرات, ووصل شذرات, وقراءة علاقات بين علامات ومقتطفات, بحثا عن
المعني, وطلبا للفهم, وتفكيكا للحلم الذي انطوي عليه الخديوي
إسماعيل, حين أراد لمصر أن تكون قطعة من أوربا, فانطلق لتحقيق حلمه
بحماسة البنائين العظام, مستلهما تخطيط باريس الجديدة التي صاغها
هاوسمان. واستعان بوزير أشغاله علي مبارك ومساعده محمود الفلكي علي تحقيق
الحلم, ولم يطلب من وزيره تدمير المدينة القديمة, بل البدء في المدينة
الجديدة, من حيث تنتهي القاهرة القديمة, في الفضاء المفتوح نحو الغرب
المكاني والحضاري.
وكان حي الإسماعيلية( وسط القاهرة الآن) بداية المدينة الجديدة, أو
القاهرة الرومية كما يسميها بعض المؤرخين, تلك القاهرة التي سرعان ما
جذبت إليها مؤسسات الحكم وقصور الحكام والمراكز التجارية, والحدائق التي
كانت نموذجا موازيا للحدائق الباريسية الشهيرة, مستهلة زمنا جديدا من
الحراك الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. وكان ذلك حين
امتدت هذه القاهرة الرومية, جغرافيا, من ميدان عابدين وميدان العتبة
إلي النيل غربهما, ومن شاطئ النيل إلي الجزيرة والجيزة غربه, متطلعة,
حضاريا, إلي الغرب الأوربي الواعد بالتقدم, ومحاكية له, ابتداء من
مقر إسماعيل في قصر عابدين, حيث الواجهة الإيطالية التي يتصدرها سور
وبوابات من الحديد المشغول, يعلوها التاج الملكي والحرف الأول المسبوك
بالذهب الخالص من اسم إسماعيل بالأبجدية اللاتينية التي أصبحت علامة لغوية
علي الأفق الذي مضت فيه القاهرة لتغدو قطعة من أوربا. ولم ينقطع تجسد
الحلم بعزل إسماعيل, أو موته منفيا في الخامسة والستين من عمره, فقد
استمر تجسد الحلم بتطوراته ونتائجه التي أفضت إلي إزاحة إسماعيل, وتولي
ابنه الخديوي توفيق, في ظل واقع متحول
بفعل علاقات القوي والمصالح الاستعمارية التي لم تخل من تحالفات الرأسمالية
الأوربية والصهيونية العالمية. ولم يكن الحلم محصنا بما يحقق لتجسده
الاستقلال علي أرض الواقع, أو الحضور الوطني الحر في التاريخ
وبالتاريخ, بل كان الحلم يتضمن بذرة التبعية التي سرعان ما نمت,
وتكاثرت نتائجها السلبية التي ظلت تهدد الاستقلال, وتؤكد الحضور
الاستعماري الذي ازداد ضراوة, خصوصا في اللحظات الحاسمة من صراعات الحلم
ونقائضه, أو لحظات الهيمنة الأجنبية التي أحالت الحلم إلي كابوس متكرر,
لا تنتهي كوارثه التي لا تزال تتبطن وعوده.
وقد اختارت رضوي عاشور لروايتها عنوان قطعة من أوربا لأنها أرادت تفكيك هذا
الحلم, والكشف عن أبعاده الإيديولوجية, ونتائجه السياسية التي انعكست
علي مسار التاريخ المصري والعربي علي امتداد قرنين من الزمان, فروايتها
تبدأ من القرن التاسع عشر, وتستمر إلي مطلع القرن الأخير, باحثة عن
الأسباب التي جعلت الحلم ينقلب إلي كابوس, وأمل التقدم يتحول إلي هزائم
لا نهاية لها, مدركة أنه لا سبيل إلي فهم ما حدث إلا بالعودة إلي لحظة
البداية التي زرعت الدودة في أصل الشجرة, وتتبع لحظات الانكسارات بالقفز
بين التواريخ وقصاصات الجرائد والكتب, سعيا إلي اكتشاف العلاقات التي تصل
ما لا يتصل عادة في وعينا التاريخي السائد.
والهدف هو فهم ملامح اللحظة الراهنة المحاصرة بالخيبة, والإجابة عن
الأسئلة المؤرقة: لماذا خاب المسعي إلي هذا الحد؟ ما الذي حدث؟ ومن
المسئول؟ هل هو الجيل الذي أستولد الحلم في لحظة البداية, أم الجيل الذي
تشكل بالحلم وانكسر معه في لحظات الهزائم المتكررة؟ وهل نحن الذين تسببنا
فيما حدث لنا, أم أننا ضحايا الآتين من البحر, مصحوبين بآلة شيطانية
تنتج خرائط, وتقيم دولا, وتهدم تواريخ, وتسحب أرواحنا كما تسحب النفط
من باطن الأرض عبر خطوط الأنابيب من هنا إلي هناك لأغراض الوقود.
هذا النوع من الأسئلة ليس جديدا علي كتابة رضوي عاشور المؤرقة بزمن
الانكسار العربي الذي يبدو كأنه المساء الأخير علي الأرض, فهي كاتبة
مهمومة بهزيمة المشروع القومي, ورواياتها محاولات متصلة لاكتشاف أسباب
هذه الهزيمة من زواياها المتعددة, وفي علاقاتها المعقدة. ولا ينفصل
مشروعها النقدي- بوصفها ناقدة متميزة- عن مشروعها الإبداعي فالتجاوب
متصل بين خطاب مقاومة التبعية الذي تنبني عليه كتاباتها النقدية( سواء في
الطريق إلي الخيمة الأخري-1977, والتابع ينهض: الرواية في غرب
افريقيا-1980, وصيادو الذاكرة: مقالات في النقد الأدبي-2001) والخطاب
نفسه الذي يتجسد إبداعيا في رواياتها المتتابعة, وبخاصة: سراج-1992,
وثلاثية غرناطة1994-1995, وأطياف-1999. والعودة إلي التاريخ هاجس ملح
في المشروع الإبداعي لرضوي, ليس بهدف استعادة الماضي, أو اسقاط هموم
الحاضر عليه, أو تحويل الماضي إلي أقنعة معاصرة لإنطاق المسكوت عنه من
الخطاب المقموع سياسيا, وإنما هو تجسيد إبداعي لرغبة معرفية, تبدأ من
مقصد اكتشاف الأصل الذي يحتوي أصل الداء, وإعادة ترتيب الوقائع بما يؤدي
إلي فهم منطقها والمنحي الذي اتخذته في تتابعها
داخل سياقاتها المتعددة. ويسعي التجسيد الإبداعي لهذه الرغبة المعرفية
إلي جعل التاريخ مرايا للماضي بشروطه الموضوعية, واضاءات للحاضر في
علاقاته التاريخية. ويحدث ذلك بواسطة تقنيات سردية متغايرة, متباينة,
في كل عمل روائي علي حدة, وإن كانت كلها تبدأ وتنتهي بالدائرة التي يتحرك
فيها خطاب ما بعد الاستعمار, سواء في تعريته جذور التبعية القديمة, أو
كشفه عن رواسبها المعاصرة أو تجلياتها المحدثة.
والتقنية التي تتبعها رضوي في قطعة من أوربا تقنية جديدة, مختلفة عن
التقنيات السردية التي لجأت إليها في أعمالها السابقة. وهي تقنية تعتمد
علي خلق شخصية روائية, تتضمن بعض ملامح أبي الهول وشهر زاد معا, وذلك
في الدلالة علي حضور الشاهد المراقب الذي يري كل شئ, ويسعي إلي فهم
العلاقات بين الأحداث المتناثرة وتفاصيل الوقائع المتباعدة, مستغلا الحكي
في التعريف بما ليس معروفا من علاقات الوقائع, قاصدا بالحكي نفسه مقاومة
الانكسار الذي يشبه الموت, وذلك من خلال الوعي المضاف الذي يخلفه الحكي
في المتلقي الذي يغدو- بالحكي- أكثر قدرة علي مقاومة انحدار زمنه
المهزوم. ولذلك تطلق رواية رضوي اسم الناظر علي بطلها, تأكيدا لمعني
الرؤية الذي يرتبط بمهمته الفنية في الرواية, وهي النظر الذي يدفعه إلي
أن ينقل- عبر حكايته- ما نظر إليه نظر العين والقلب, أو ما رآه
بالبصر والبصيرة.
وشخصية الناظر الروائية تنبني ببعض الملامح الواقعية التي تهدف إلي تحقيق
الايهام بمشاكلة الواقع, فهو مولود سنة1937, ويموت عن خمسة وستين
عاما, ويفقد أخاه في حرب1967, وتصيبه الهزيمة بالاكتئاب الذي يفضي إلي
نوع من الجنون الرهيف الذي يستحضر به شخصية أخيه الذي فقده في كارثة العام
السابع والستين, فتبتعد عنه زوجه شهر زاد, وينغلق علي هواجسه المشحونة
بالأسئلة المؤرقة التي يسعي إلي الإجابة عنها, ويزداد عزلة عندما يصيبه
الشلل عام1991 مع الهجوم الأمريكي علي الكويت, ويزداد توحدا واكتئابا
واغترابا, لولا حفيدته التي يحكي لها, وتحكي هي أوراقه بعد موته,
ولولا محمود الذي يؤدي صوت الجيل الجديد الذي يجمع الحفيدة شهر زاد بطلائع
أبناء اليوم.
ويستمد الناظر بعض العزم من حضور ممثلي الجيل الجديد, إذ يشعر بالمسئولية
إزاءهم, فيكتب لهم ما يعينهم علي فهم ما جري, وما يعينه هو علي مقاومة
الموت. وأداته في المقاومة الكتابة التي تبدأ بالبحث في تاريخ الشوارع
المحيطة بمنزله في وسط القاهرة, ويقوده البحث إلي بدايات القاهرة
الرومية, وتخلق علاقات القوة والثروة التي يتابع دلالاتها التاريخية,
مقترنة برموزها من شخصيات التاريخ الذي يفضي إلي بدايات تجسيد المشروع
الصهيوني, جنبا إلي جنب الفساد الذي وصل بين ضياع فلسطين وحريق القاهرة
في السادس والعشرين من يناير1952, وذلك في السياقات المتجاوبة للكوارث
التي وصلت بين دمار حريق القاهرة ودمار مركز التجارة في نيويورك.
ويلفت الانتباه أن الناظر لايرينا ما يراه من أحداث الماضي علي نحو
متعاقب, حسب تتابع الزمن الكورونولجي, وإنما يتقافز بين التواريخ
والوقائع, ونصوص الكتب والمصادر, صانعا أكثر من بداية, وذلك علي نحو
يوقع صفة الابتداء علي حلم إسماعيل في زمنه, وعلي ما حدث في حريق القاهرة
وأسبابه, وعلي رغبة الكتابة عن المربع الذي ولد وعاش فيه الناظر, ولكن
المربع المحدد بزمانه ومكانه ينحل من حيث هو نقطة للبداية, مثل غيره من
النقاط, فتنداح الحدود بما يؤدي إلي التنقل غير المنتظم بين اللحظات
الزمنية التي لا يربط بينها- في النهاية- سوي سؤال الحفيدة: كيف
أوصلتمونا إلي ما نحن فيه؟ وسؤال الجد: لماذا خاب المسعي إلي هذا الحد؟
ومن المسئول؟.