إحسان عباس، ابن قرية عين غزال

بقلم د. رضوى عاشور

I

   في آخر رواياته، سرايا بنت الغول (حيفا 1991)، وهي رواية سيرة، يكتب إميل حبيبي مستعيدا أول عهده بالمدرسة الجديدة في حيفا:

"كنا تدافعنا إلى احتلال ما صممنا على احتلاله من مقاعد، إما حفاظا على جيرة صديق أو هربا من أنظار معلم. فوجدتني مدفوعا إلى مقعد خال في جوار ولد قصير القامة عجزت نظراته التحتانية المتصنعة، وتشاغله بمسح المكتب أمامه من غبار لم يعلق عليه بعد، عن إخفاء شعور بالغربة، فجلست على المقعد مستأنسا بوحشته."

   تصادق الولدان. كان لكل منهما طلسمه: الولد القصير ابن قرية عين غزال يكتب الشعر، والآخر الحيفاوي (الذي ألف سرايا بعد ذلك التاريخ بأكثر من نصف قرن) يكتب القصة.

   يضيف كاتب سرايا:

"ما من رفيق صبا حببني إلى لغة أمي وأبي كما حببني إليها هذا الشاب ابن شيخ عين غزال منذ أشركني في كتابة التمائم الساذجة وطيها في قصاصات دقيقة كان والده يطمئن بها القلوب الواجفة على مصير أحبابها الغياب(...). من تلك التمائم بيتا شعر حفظتهما منذ ذلك الوقت البعيد وعدت إليهما كلما افتقدت ما أطمئن به قلوب الصابرين والصابرات على فراق الأحبة، صبرا جميلا:

عسى الكربَ الذي أمسيت فيه           يكون وراءه فرجٌ قريـبُ

فيأمن خائـــفٌ ويفكّ عانٍ           ويأتي أهله النائي الغريبُ"

 

   سيعيش إميل حبيبي،  كاتب سرايا، في حيفا ويموت فيها، بعد عمر ممتد من الاشتباك بالعمل السياسي اليومي والتورط فيه، والمناطحة والمناورة، والجهر والتقيّة. يضيف إلى الأدب العربي مجموعة قصصية وأربع روايات لعل أشهرها الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل (1974)، ويساهم يوميا في الكتابة الصحفية في جريدة الاتحاد التي رأس تحريرها لسنوات طويلة، ويرعى أجيالا من الكتاب الفلسطينيين نشأوا في ظل دولة الاحتلال التي صار اسمها إسرائيل.

   أما إحسان عباس، رفيقه في المدرسة الذي ولد مثله عام 1920، فانتقل إلى القدس ليواصل تعليمه في الكلية العربية، فأرسلته الكلية في منحة دراسية إلى القاهرة للتعلم في جامعتها. وفي القاهرة داهمته النكبة: أُعلنت إسرائيل على ثلاثة أرباع الأرض الفلسطينية في الرابع عشر من مايو 1948، وبعد ستة أسابيع من إعلان الدولة، تحديدا في الأول من يوليو، أغارت الطائرات الإسرائيلية على عين غزال وجبع وأجزم  ودمرتها فانسحب من أهلها من انسحب وأسر وقتل الباقون. أصبحت عين غزال ذاكرة قرية ، وفي مكانها أقيمت مستوطنة إسرائيلية، قد تكون الآن جزءا من ضواحي حيفا أو يافا (لا أعرف) فهي تقع على سفح الكرمل الجنوبي في الطريق بين المدينتين.

 

   لم يتح لإحسان عباس العودة بعد ذلك إلى فلسطين. سيواصل دراسته، ويقمع رغبته الملحة في كتابة الشعر، بل يسلك طريق الباحثين محتميا بأسوار الجامعة. يمنح المكتبة العربية عشرات الدراسات القيِّمة، وعشرات الكتب التي ألفها أو حققها أو ترجمها، وطلابا أخذ بيدهم من المراحل الأولى لدراستهم في الجامعة إلى أن أصبحوا أساتذة مؤلفين محققين ومترجمين. هم سيرافقونه إلى مثواه الأخير في عمان.

   سيسعى إميل للقاء صديقه وزميل طفولته، ولن يتم اللقاء، فيبقى الولدان، الرجلان، الشيخان، حالة فلسطينية دالة حتى النهاية، ولدان لنكبة 1948، أحدهما بقي  في أرضه ودفع ما تعين عليه دفعه من أثمان باهظة من أجل البقاء فعاش ومات ودفن في حيفا، والآخر عاش المنفى والشتات: دارسا في جامعة القاهرة، ثم في الخرطوم مدرسا في جامعتها، ثم في بيروت باحثا وأستاذا جامعيا ومؤلفا ومترجما، وانتهى به المطاف في عمان، شيخا باحثا ينجز عملا موسوعيا عن تاريخ بلاد الشام.

   رحل إحسان عباس في عمان فجر الأربعاء 30 يوليه. لم يدفن في عين غزال،  في شتاته، أنجز إحسان عباس أكثر من سبعين كتابا، تأليفا وتحقيقا وترجمة، في الأدب القديم والحديث، وفي التاريخ وتاريخ الأدب والنقد، منها دراسة عن الحسن البصري، ودراسة عن أبي حيان التوحيدي، ودراسة عن الشريف الرضي، ومنها تاريخ النقد العربي عند العرب، وتاريخ الأدب الأندلسي، وحقق عشرات الكتب من أهمها نفح الطيب للمقري في ثمانية أجزاء ووفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان في ثمانية مجلدات. والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام في ثمانية مجلدات ، و معجم الأدباء لياقوت الحموي، والتذكرة الحمدونية، وحقق رسائل ابن حزم والمعري وديوان لبيد وديوان كثِّير عزة، وديوان ابن حمديس الصقلي، وديوان  الرصافي البلنسي، وغيرها من كتب التراث العربي. وكتب في  تاريخ العرب في صقلية، وتاريخ ليبيا، وتاريخ بلاد الشام الذي أنجز منه ثمانية أجزاء وداهمه المرض دون أن يكمله. وواكب حركة الشعر الحديث فكتب كتابا عن البياتي، وكتابا عن السياب وكتابا عن اتجاهات الشعر العربي المعاصر. وكتب كتابا في فن الشعر، وكتابا في فن السيرة، وأسهم في نقل كتب قيمة من الإنجليزية إلى العربية، لعل أهم هذه الكتب ترجمته لرواية موبي ديك لهرمان ملفيل.

 

II

 

   التقيت بإحسان عباس أولا عبر كتبه، وأنا دارسة في العشرينيات من عمري. قرأت كتابه عن السياب، وكتابه عن شعراء المهجر (بالاشتراك مع محمد يوسف نجم)، وكتابه عن فن الشعر ثم لاحقا كتابه الموسوعي تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ثم كتب كثيرة أتوقف عندها في مكتبة الكلية، أمني نفسي بقراءتها ذات يوم. لم ألتق به شخصيا إلا في عمان في مطلع التسعينيات. شيخ تجاوز السبعين، يتكئ على عصا، يمشي ببطء، تتركز قوة الحياة في لمعة عينين صغيرتين منتبهتين. في زيارتي الأولى لبيته استوقفتني المكتبة الكبيرة تغطي الجدار من أسفله إلى أعلاه، واستوقفني التكوين الحييّ لرجل مذهل في اتساع معارفه، يعرف كثيرا وخجول كأنه لا يعرف، خافت متواضع كأنه أقل الجالسين شأنا. في البيت بين الأصدقاء، في دعوة على العشاء أو الغداء أتطلع إليه، عبثا أحاول أن أتتبع في صوته أو نظرة عينيه أوحركة رأسه أو يده سلطته كأستاذ، لا سلطة ظاهرة، بل شيخ عذب هادئ وحيي. هل كان حياؤه هو السبب، وهو الشاعر بالفطرة، في مراوغة الشعر والهروب من كتابته؟

   حتى في سيرته الذاتية توارى خلف مجريات ووقائع. لم يفض في الحديث عن نفسه. أجمل التجربة في عنوان دال: غربة الراعي. ترك لمفردتيّ العنوان أن يحيلا إلى جوهر التجربة بالمركّب من معانيها. رجل خجول يحوّل دفق مشاعر تجاه الحياة واللغة والثقافة إلى دراسات تقصر عنها كتيبة من الباحثين.

   تعلمت من كتبه الكثير، ثم تعلمت أكثر من عذوبته وهدوئه وتواضعه وأناقة روحه وحيائه المدهش.

   نُقل لي عن الدكتور إبراهيم شبّوح الباحث التونسي الكبير والذي يقيم حاليا في عمان أنه في زيارة مؤخرة له لإحسان عباس، وكان إحسان مريضا في فراشه، واهنا يفلت منه الوعي والذاكرة. جلس شبّوح بجواره يحدثه في محاولة لاستعادته، ردد شبوح شعرا لابن حمديس الصقلي، قال:

ذكرت صقليةَ والأسى           يهيّج للنفسِ تذكارَها

توقف شبّوح، لم ينتقل إلى البيت التالي فنظر إليه إحسان عباس وهو بين الحضور والغياب،  وأكمل:

ولولا ملوحةُ ماء الدموع        حسبتُ دموعيَ أنهارَها

 

   حتى النهاية إذن، حيث فُقدت كل التفاصيل، لم تغب ذاكرة الفقد. بقيت عين غزال التي كان يتحاشى إحسان الحديث عنها حاضرة إلى اللحظة الأخيرة. وبمعادلاته المدهشة واصل ابن قرية عين غزال صنع التمائم، تمائم على طريقته الخاصة، كل تميمة منها كتاب يؤلفه أو يحققه، دراسة جديدة أو نص قديم يحييه بتدقيقه وتحقيقه ونشره بين الناس. خلّف إحسان عباس في مراعي غربته صرحا ثقافيا يؤنس وحشة الآخرين، منحه لهم ثم رحل وحيدا وغريبا ... في هدوء.

رضوى عاشور