|
من كتاب صيادو الذاكرة بقلم رضوى عاشور لكلٍ غرناطتُه
"إنه التاريخ، فالأمر دائما يتعلق بالتاريخ؛ وغرناطة ما الذي تعنيه لشاتوبريان؟ ما الذي تعنيه لي؟" يطرح أراغون السؤال فيجيب: "لكل غرناطته"، وغرناطة مجنون إلسـا Le Fou d’Elsa (1963) تتصدرها شخصية المجنون، شاعر يعيش زمن السقوط ويموت فيه: "وحيدا وعاريا تماما بلا ضرورة." والشاعر عاشق لامرأة سوف تولد بعد أربعمائة عام، وهو بعشقه يتجاوز السقوط إلى حلم الاكتمال: "فالمرأة وليس الملوك، هي مستقبل الإنسان." يوظف أراغون غرناطة والمجنون وحشدا من الشخصيات والمواقف لخلق زمان مزدوج يتيح لنا معايشة الحاضر والماضي ومخاوف الحقبتين، فتتداخل غرناطة 1492 بغرناطة لوركا والحرب الأهلية الأسبانية بباريس الاحتلال النازي. ويستحضر مجنون إلسا قيس بن الملّوح وليلاه، وجامي وملحمة عشقه، وأراغون نفسه يتغنى بقصائد حبه لإلسا. تتداخل الأزمان والأماكن لتلتقي جهرا في زمن غرناطة. أما الجزائر التي أراد أراغون أن يكون نصه فعل تضامن معها في معركتها من أجل التحرير، فتبقى طيفا صامتا يحوم حول النص، ويسري فيه. وجاء نص أراغون نصا ملحميا يمتزج فيه النثر بالشعر، والأسطورة بوقائع التاريخ، والسرد بالغناء، والقوالب الصارمة القديمة بكتابة تجريبية منفلتة، شكل جديد فضفاض يحمل حصيلة العمر من المعارف والمشاعر ويفتح باب المغامرة واسعا أمام شاعر في السبعين من عمره. غرناطة لوي أراغون نسيج مضفور من فكر الشاعر وتجربته الوجدانية وموروثه الثقافي الأوروبي وما انتخبه من تاريخ المسلمين وثقافتهم وأدبهم تأكيدا لقيمتهم في لحظة مواجهة. قبل أراغون بقرن ونصف كتب شاتوبريان آخر بني سراج Le Dernier d'Aben Serraj (1826) وهي قصة رومانسية تحكي عشق نبيل من نبلاء غرناطة لفتاة أسبانية لا ينالها حتى الموت. يتطلع ذلك الرومانسي الأصيل الذي يتحدث دائما عن نفسه إلي غرناطة فلا يرى فيها إلا مرآة روحه، غربته ومنفاه (وهو النبيل الفرنسي المغضوب عليه من سلطات الثورة الفرنسية)، وحبه المستحيل تمامه لمدام دو نواي، ناتالي الجميلة. يطلق شاتوبريان في نصه كل عناصر المزاج الرومانسي العفيّ آنذاك،: وحشة الروح المنفردة، حزن الاقتلاع، الحرمان في العشق، والحنين. وعلى خلفية قصور الحمراء، أطلال ذهب ساكنوها، ، تتجسد الحسرة مرتين، حسرة العاشق الذي لا ينال، وحسرة الوارث المحروم من إرث أجداده. وفي مقابل نصين أوروبيين اخترتهما من بين نصوص عديدة، لا جزافا بل تمييزا وتفضيلا، أتوقف وقفة سريعة مماثلة أمام نصين لكاتبين عربيين أولهما رواية ليون الإفريقـي (1986) للكاتب اللبناني أمين معلوف، وثانيهما قصيدة "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي" للشاعر الفلسطيني محمود درويش (1992). يختار أمين معلوف شخصية تاريخية هي حسن الوزان الذي ولد في غرناطة، وشهد سقوطها في طفولته ثم هاجر مع أهله إلى فاس حيث تعلم وبرز في علمه فأوكلت إليه سفارات مكنته من التنقل بين البلدان. ولقد سجل الوزان مشاهداته في كتاب موسوعي في الجغرافيا لم يصلنا منه إلا جزء أعاد الوزان كتابته باللغة الإيطالية عام 1526 في روما. وكان الوزان الذي وقع أسيرا قد أصبح مملوكا للبابا ليون العاشر وعمد باسم جديد هو يوحنا ليون، وهكذا حمل كتابه وصف أفريقيا اسم ليون الإفريقي Leo Africanus وجد أمين معلوف في شخصية الوزّان وحياته وكتابه مادة يحتاجها وتناسبه إذ تتيح له التعبير عن تجربته ككاتب لبناني يقيم في الغربة ويكتب بلغة غير لغته. إنها تجربة المغترب المتعدد الثقافات واللغات والذي يبتعد كلما شاء إلى ما وراء جميع الأوطان والتخوم والمعتقدات ومن هنا تتعدد الأماكن والتواريخ وتتقاطع الأصوات وتتعاكس في رحلة "ابن السبيل" المرتحل دوما في قافلة صارت هي الوطن وإن لم تنف الجذور ووعي الوطن الذي كان. وفي مزجه الدال بين الجغرافيا والتاريخ يقسم أمين معلوف روايته إلى أربعة كتب يحمل كل منها اسم مكان: كتاب غرناطة، كتاب فاس، كتاب القاهرة ثم كتاب روما. وترتبط فصول كل كتاب بأزمنة بعينها تحددها أعوام ترد في عنوان كل فصل: عام السقوط، عام الرحيل، عام السلطان التركي المعظّم، عام ملك فرنسا…إلخ. يصدَّر أمين معلوف روايته بعبارة مقتبسة من الشاعر الإيرلندي ويليام باتلر ييتس William Butler Yeats تقول: "ولا ترتب مع ذلك أن ليون الرحالة كان أيضا أنا"؛ ليست مشاهد سقوط غرناطة في الفصول الأولى من الرواية هي فقط ما يشف التجربة اللبنانية والحرب الأهلية والسقوط بل تشفّها رحلة الوزّان كلها. وتبقى بيروت وما جرى في لبنان وتجربة المنفيين من أهله أطيافا محوّمة حول النص تدخله حينا ثم تخرج إلى هوامشه حينا، وتظل حاضرة في الحالتين تمنحه جزءا لا يستهان به من معناه. أما محمود درويش فلم تكن غرناطة ولا الموضوع الأندلسي ومجاز الأندلس كفردوس مفقود بعيدة عن شعره في أي وقت، كانت تطل عابرة في بعض القصائد أو تشكل الدلالة الأساس في بعضها الآخر. وأحدث ما كتبه محمود درويش في هذا الموضوع هو قصيدة "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي"، نص غنائي يطلق التعبير عن الذات في علاقتها بالمكان. ينسج درويش نصه من خيوط الاقتلاع والفقد والحنين: في المساء الأخير على هذه الأرض نقطع أيامنا عن شجيراتنا، ونعد الضلوع التي سوف نحملها معنا والضلوع التي سوف نتركها هاهنا … في المساء الأخير لا نودع شيئا. يكتب درويش في غرناطة فلسطين وتاريخا وجدانيا لأبناء زمانه، تاريخ غربة وانكسار وخوف. إنها "زفرة العربي الأخيرة" وقد تكّسر الزمان من حوله شظايا. وبين وعي فلسطين ووعي غرناطة تتخلق القصيدة مبنى ومعنى محكومة بجدل مركب بين نقائض تتحد: موضوع الموت وتفاصيل الحياة، المرآة المهشمة والصوت المدافع عن صورتنا في المرايا، ألق الوجود في المكان والبكاء على الغياب في المكان. وتنتهي القصيدة بصوت الكمنجات: "تبكي مع العرب الخارجين من الأندلس… تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس". في "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي" تعبير حداثي عن غربة إنسان معاصر، وكتابة مجددة لقصيدة الفقد والبكاء على الأطلال. تتعدد النصوص والأصل غرناطة. يمسك الكاتب بالقلم لكي يكتبها فتطل عليه من حكايتها حكايته، ويرى في نقش صورتها صورة زمانه، ومنها صورته. تتوجب الآن الإجابة على السؤال: ما الذي تعنيه غرناطة بالنسبة لي؟ لم تكن غرناطة في البال فلم أستخدمها من قبل صورة ولا مجازا في كتابة أو كلام، حفظت شعراً أندلسياً في الصغر وتعاملت مع نتف من الحكاية في درس الأدب العربي فما استوقفني في القليل الذي عرفته شيء. وبدا لي التغني بالمجد القديم أو البكاء على الفردوس المفقود ممجوجا. لم تشغلني الأندلس التي بدت نائية وغائمة. وحين كتبت عنها لم تكن الكتابة اختيارا مسبقا ولا تحقيقا لحلم أو لولع بالموضوع ولا تحايلا أو تقنعا ولكن حدث ذات مساء أن أتتني صورة المرأة العارية التي بدأت بها بعد ذلك السطور الأولى من الرواية. (وهنا أتوقف لأشير أن النص الإبداعي لا يأتي اختيارا بل يمليه مركب من العناصر قد لا يحيط بها الكاتب تماما، ففي النص علاقة كاتبه بالوجود بصفائها وتشعثها، بعمقها أو ضحالتها، بهواجسها الأكثر إلحاحا، بتناقضاتها وتشابكاتها وتقاطعاتها. والمعرفة شرط شروط الكتابة، مجمل الخبرات المتراكمة ومعرفة يحصلها الكاتب قصدا من أجل نص بعينه. فالكتابة في تقديري فعل معلّق بين التلقائية والقَصْدية، غير الموعي به والموعي به تماما، اللعب والضرورة، بساطة التعبير ومشقة البناء، ما يهبط على الكاتب في ومضة إلهاما وما يحيره ويضنيه ويبحث له عن حل كأنه تلميذ يشقيه حل مسألة في الحساب.) أعود إلى السياق، ولسؤال كيف بدأت رواية غرناطة ولماذا غرناطة تحديدا؟ أشرت إلى أنني رأيت صورة المرأة العارية التي تبدأ الرواية بها ذات مساء شتائي وأنا أتابع على شاشة التلفزيون قصف الطائرات لبغداد. الأرجح أن المشهد فتح بابا للذاكرة فالتقت بالمشهد مشاهد مثيلة: قصف الطائرات الإسرائيلية لسيناء عام 1956 و1967، قصف لبنان عام 1978 و1982، والقصف المتصل للمخيمات الفلسطينية ومدن وقرى الجنوب اللبناني. في ذلك المساء، وأنا أتابع أخبار قصف العراق، رأيت المرأة العارية تقترب وكأنني أبو جعفر الورّاق في الرواية يشاهد في عريها موته. استبد بي الخوف وأنا أسأل : هل هو الموت الوشيك؟ وإن كان فأي علاقة أديرها الآن مع موتي؟ ومع السؤال داهمتني غرناطة فبدأت أقرأ. أعتقد أن رواية غرناطة ولدت في تلك اللحظة، لم أنتبه أن بداخلي رواية ولكن سؤال النهايات كان حاضرا وملحا يمليه العجز والخوف ووعي تاريخ مهدد. وفي تقديري أن كتابة غرناطة بأجزائها الثلاثة: غرناطة ومريمة والرحيل كانت ضربا من ضروب الدفاع عن النفس الذي تلجأ إليه المخلوقات بشكل غريزي حين يداهمها الخطر. الكتابة هنا بدأت احتياجا نفسيا صرفا، لا التزاما بدور ولا طموحا لإنجاز مشروع ثقافي يعتمد على إعادة إنتاج مرحلة من مراحل التاريخ العربي في شكل روائي. هنا لا بد أن أتوقف لأوضح أنني نتاج لمد التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات حيث تشكل وجداني وتكونت القناعات الأولى لصبية سوف تصبح لاحقا جزءاً من الحركة اليسارية العربية. بدت قوات التحالف بأساطيلها الجوية والبحرية وعتادها الإلكتروني موجهة ليس فقط إلى النظام الحاكم في العراق الذي لم أقبله أو أتحمس له يوما، بل موجهة لمشروعنا التحرري برمته تفرض علينا نظامها العالمي الجديد بقوة طائرات الشبح، والقنابل الذكية، وفضائياتها التي تنقل لنا قنواتها الحرب كأنها لعبة بصرية مثيرة ( قال أحد مذيعي "السي إن إن" تعليقا على مشهد بغداد تحت القصف في فجر السابع عشر من يناير عام 1991 إن المشهد يبدو رائعا كشجرة عيد ميلاد مزينة ومضيئة!) قرأت لأجل القراءة وليس الكتابة، كنت أبحث عن شيء لا أعرف بالتحديد ماهيته. كأني راغبة في الفهم أو كأنني أتشاغل عن همي بحكاية هم قديم يجاوب ما في القلب وإن خفف عنه بإلهائه قليلا عن ذلك الذي ما عاد يطيقه. قرأت كتبا في التاريخ فإذا بمساحات غائبة مغلقة تنفتح أمامي من حياة الموريسكيين: عرب مهزومون صاروا أقلية عرقية وثقافية بعد أن دُفع بهم إلى قاع السلم الاقتصادي والاجتماعي فعاشوا مغتربين في أرضهم يواجهون زمانهم برفع السلاح حينا وبالتقّية حينا ، بالغضب حينا وبالمروغة والممالأة حينا. كان أجدادهم قد استبقوا النهاية فأعلنوها نقشاً على الجدران : "لا غالب إلا الله" ولكنهم، رغم ذلك، ظلوا يغالبون زمانهم ويقاومون. وكلما قرأت أكثر تشكلت أمام عيني ملامح تاريخ مقموع، مُسقط في الغالب الأعم من الكتابات العربية، لماذا؟ تساءلت ومازلت، ففي الفترة تاريخ مواز، في عناصره من أسئلة الحاضر أكثر من سؤال: سؤال الانكسارات والنهايات، وسؤال الهوية والعلاقة بالآخر، وسؤال التهميش وقمع الحريات والحق في الاختلاف (كان من بين ما قرأت كتابات لي Lea عن محاكم التفتيش في أسبانيا ومنها الكتاب الذي خصصه للموريسكيين. كذلك قرأت الترجمة الإنجليزية "للماليوس ماليفيكاروم" The Malleus Maleficarumأو مطرقة الساحرة الذي كتبه هاينريش كرامر ووجيمس سبرينغر بتكليف من البابا إنوسنت الثامن ليصبح دليلا ودستورا لمحاكم التفتيش.) ولما استشعرت الحاجة إلى الكتابة وجدت أنني أبدأ بصورة المرأة العارية التي جاءتني قبل ذلك بشهور. ولكن الحكاية التي كنت أكتبها لم تكن حكايتي- هكذا ظننت- بل حكاية الموريسكيين. لم أقصد إسقاطا من أي نوع بل إن الإسقاط بدا لي بذاءة منفرة. لم يكن شاغلي الكبراء أو الأمراء والبارز من الشخصيات التي سجل التاريخ حكايتها بل شغلني "العاديون" من البشر: رجال ونساء ورّاقون ونساجون ومعالجون بالأعشاب وعاملون في الحمامات والأسواق وإنتاج الأطفال في البيوت، بشر لم يتخذوا قرارات بحرب أو سلام وإن وقعت عليهم مقصلة زمانهم في الحرب والسلام. انهمكت في كتابة إنتاجهم لحياتهم اليومية، التفاصيل الصغيرة لعلاقتهم بالمكان والزمان وبعضهم البعض وعلاقتهم بالسماء (سماء تهتز فوق رؤوسهم مع اهتزاز الأرض تحت أقدامهم، فيرفعونها من جديد). واحتلت المرأة في أدوارها المعتادة وأدوار غير مألوفة مكانا متصدرا في النص. باختصار سعيت إلى قلب الهامش إلى متن ودفع المتن المتسلط إلى الزاوية، وحاولت استنقاذ حكاية بشر لم يلتفت لهم التاريخ العربي والكتابة الأدبية . وفي ذلك المسعى كنت أعبر عن نفسي وأكتب بعض حكايتها من موقعي كامرأة وكمواطنة عربية تعارض الثقافة المهيمنة وكإبنة من بنات العالم الثالث المهمّش والمقموع في المعادلة الكونية. في كل نص قدر من التوثيق يتم بيسر وتلقائية أو يحتاج الجهد والاجتهاد. أكتب عن القاهرة المعاصرة فيجد النص حاجاته من المعارف الضرورية بملامح المكان والزمان والبشر، هذه المعارف وثّقتها العينان والأذنان والعقل بالمشاهدة والقراءة وتراكم المتابعة والتحصيل. ولكن الكتابة عن حقبة سابقة ومكان لم يعش الإنسان فيه يستوجب جهدا آخر. عليه أن يتعرف عن المرحلة التي يكتب عنها، حدودها، مفاصلها الزمنية، تفاصيل المكان وملامح وإيقاعات الحياة اليومية للجماعة البشرية التي تعمّره. لم أكن أوثق لبحث في التاريخ الاجتماعي وإن اقتضى التوثيق جهدا قريبا من الباحث في هذا المجال. كنت أشرع في كتابة نص أعقد به الصلة بين الوجود ونفسي، صلة أرْبَكَتْها الأحداث إلى حد الفساد. كان التوثيق التاريخي أساسيا لأن مادة النص هي بعض تاريخ الأمة الذي لا أستسيغ العبث يه أو فيه، وأيضا لأن النص الذي أكتبه لا يخرج عن سياق الرواية الواقعية. ولكن هذه المادة الوثائقية على ضرورتها لم تكن سوى أداة أوظفها في خدمة مشروعي الإبداعي: رؤيتي الكلية، مصائر الشخصيات المتخيلة، والدلالات التي أحملها للمواقف والتفاصيل لتكتسب قوة المجاز وكثافته التعبيرية. ساعدني البحث التاريخي ومشاهدة العينين التعرف على ملامح حياة جماعة بشرية عاشت قبل خمسمائة عام. (زرت الأندلس مرتين، المرة الأولى في صيف 1993 بعد كتابة مسودة غرناطة والمرة الثانية في أواخر ربيع عام 1995 بعد أن شرعت في كتابة الجزء الثاني: مريمة. كانت الزيارة الأولى "سياحية" أتاحت لي أن أرى المكان، أما الزيارة الثانية فقد أتاحت لي فضلا عن ذلك جمع بعض المادة العلمية التي أحتاجها.) كانت هذه المعرفة ضرورية للمشروع. الإطار العام لثلاثية غرناطة تاريخ موثق، كذلك الإحداث المفصلية الواقعة بين عام 1491 و1609: توقيع معاهدة تسليم مملكة غرناطة، تسليم الحمراء، حرق الكتب، ثورة البيازين الأولى والثانية، التشتيت الجماعي لأهالي غرناطة ثم الترحيل النهائي لعرب الأندلس. كانت الوقائع التاريخية هي العنصر الأول بين عناصر التوثيق التي وظفتها في نصي ولكنها لم تكن العنصر الوحيد إذ أضيف إليها التاريخ الاجتماعي والثقافي: ملامح الملبس والمأكل والمسكن والحمام، الحكايات الشعبية والخرافات الدارجة، الفتوى الشرعية وعقد الزواج ووثيقة الصلح بين أسرتين متنازعتين… إلخ كلها دخلت في نسيج حياة متخيلة لشخصيات تفعل وتنفعل بمنطق نص معلق بين تاريخ مهمّش أعيدُ تشكيله ورؤية امرأة تنتمي للنصف الثاني من القرن العشرين. باختصار كتبت غرناطة ومريمة والرحيل وأنا أحدق في صورتي في الزمان يتهددها الموت، ولعل الانفعال الذي دفعني إلى الكتابة قريب إلى حد التطابق مما عبر عنه محمود درويش في "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي" حين يقول: أنهض من حلمي خائفا من غموض النهار على مرمر الدار، من عتمة الشمس على الورد، من ماء نافورتي خائفا من حليب على شفة التين، من لغتي خائفا، من هدوء يُمشِّط صفصافة خائفا، خائفا من وضوح الزمان الكثيف، من حاضر لم يعد حاضرا، خائفا من مروري على عالم لم يعد عالمي، أيها اليأس كن رحمة، أيها الموت كن رحمة للغريب الذي يبصر الغيب أوضح من واقع لم يعد واقعا… أتساءل الآن إن كان العرب يلجأون إلى غرناطة حين تلّح عليهم حاجتهم للمراثي. أذكّركم أن هناك تراثا من المراثي العربية يرتبط بفقد الأندلس وهو تراث يعود بنا إلى القرن الحادي عشر أسهم فيه المجهول من الشعراء والمعلوم منهم، من قصيدة ابن العسّال في رثاء طليطلة: يأهل أندلس حثوا مطيـــكم، فما المقام بها إلا من الغلط الثوب ينسل من أطرافه، وأرى ثوب الجزيرة منسولا من الوسط ونحن بين عدّوٍ لا يفارقنـــا كيف الحياة مع الحياة في سقط ورثاء أبي إسحق إبراهيم لمدينة بالينسية: عاشت بساحتك الظبا يا دار، ومحا محاسنك البلى والنار فإذا تردد في جنابك ناظر، طال اعتبار فيك واستعبار أرض تقاذفت الخطوب بأهلها وتمخضت بجنابها الأقدار كتبت يد الحدثان في عرصاتها: "لا أنت أنت ولا الديار ديار" من هذه القصائد المبكرة إلى وقتنا الحالي تتصدر غرناطة/الأندلس كدال على الغربة والفقد. وبدرجات متفاوتة يتصدر أو يتواري، وإن لا ينفي تواريه وجوده، وعي العبث واللاجدوى. وربما تختلف ثلاثية غرناطة عن ذلك الموروث الأدبي رغم ما فيها من مذاق المراثي لأنها لا تبكي فردوسا مفقودا، فلا حنين فيها ولا تغنّي بل انشغال بتقديم فعل المقاومة لجماعة بشرية، مقاومة جليلة وجميلة تركت علامتها الفارقة في الزمان. فالتاريخ صاحب حيلة ودهاء، له مساربه المراوغة ودياميسه الباطنية ومجاريه الجوفية ، لا شيء يضيع، هكذا أعتقد. ولذلك أفهم الآن لماذا تنتهي روايتي بوصف قبر مريمة. أقتبس من الصفحات الأخيرة من الجزء الثالث والأخير من الرواية: تمدد عليّ على رمال الشاطئ وأسند رأسه إلى صندوقه. غفا فرأى نفسه في المنام يهبط درجا إلى باطن الأرض. يهبط ويهبط. كأن الأرض سبع طبقات كتلك التي في السماء. ثم وصل إلى كهف رحب يجري فيه جدول. هل كان كهفا أم سردابا، أم قصرا مطمورا أم روضة عجيبة؟ رافق مجرى الماء. كانت الجدران على الجانبين مزينة بنمنمات النقوش، تتكاثف عليها الزخارف والأشكال ورسم غصون وزهور. عرس من الأوان يحفُّه من الجانبين فيتوغل أكثر. يا الله من أين أتت كل هذه العصافير؟! كانت تندفع أمامه وتدفعه دفعا إلى الأمام، تشدو وتغرد وتزقزق وتغرغر وتصفّر . ثم دخلت به إلى بهو عظيم كأنه قاعة مُلْك . هبت عليه رائحة الخُزامى. تطلّع إلى الجدران، كلها من الفسيفساء، رفع عينيه، سقف كأنه بستان. أجال النظر فرأى سريرا عاليا من رخام، اقترب منه. مريمة؟! كانت غافية على السرير، جسدها ساجٍ ووجهها مبتسم ، على قمة رأسها عصفور الجنة، ولصق الأذنين على كل جانب حمامة، وعلى الصدر طير من طيور القطا يغرغر، وعند القدمين حَبُّ تحوم حوله العصافير، تدنو لتلتقط الحب ثم ترفع رأسها وتثب وترفرف ثم تطير، بلابل وقبّرات وعنادل وحساسين وذوات أطواق وأيضا كروان. بعد سنوات من كتابة الرواية انتبهت إلى أن صورة هذا القبر الملون البهيج جاءتني من مشاهدتي المتكررة لمقابر وادي الملوك في البر الغربي في الأقصر- طيبة القديمة- حيث الحياة محفوظة مكنونة في باطن الأرض، حياة في باطن الحياة. في نهاية الرواية لا يرحل علي، آخر سلالة أبي جعفر الوراق والذي استقر به المقام في إحدى قرى شرق الأندلس، إنه يتجه إلى الميناء للرحيل بعد صدور قرار ترحيل 1609، ولكنه لا يرحل بل يعطي ظهره للشاطئ ويعود ليبقى في أرضه. ألم تبقى الأندلس في الأندلس؟! وهل غادرت غرناطة العرب غرناطتكم؟! ينتهي الجزء الثالث والأخير من الرواية بعبارة: "لا وحشة في قبر مريمة". ليست غرناطة حكاية موت واندثار، غرناطة حياة، بستان من المعاني المكنونة في باطن الأرض نذهب إليه عبر الحكاية. والمدهش أن الحكايات التي تنتهي، لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تروى. _______________________________________________________________________ *نص المحاضرة التي قدمتها في غرناطة ومدريد في أكتوبر عام 2000 بمناسبة ظهور الترجمة الأسبانية للجزء الأول من ثلاثية غرناطة. وهذه المحاضرة نص معدّل ومطور لأصل محاضرة ألقيتها في المجلس البريطاني في القاهرة عام 1994 وفي معرض كتاب الشارقة عام1995 .
|