صبرا وشاتيلا 1982: تاريخ المذبحة
في مقدمة كتابها "صبرا وشاتيلا: أيلول 1982" (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2003) تحكي بيان نويهض الحوت، أستاذة التاريخ في الجامعة اللبنانية، عن واقعة اقتحام الجنود الإسرائيليين لبيتها في بيروت ظهر يوم السبت 18 سبتمبر 1982. فتّش الجنود الأربعة البيت، وسألوا عن زوجها (شفيق الحوت مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت). استمر التفتيش نصف ساعة، ثم، وهم يغادرون، التفت إليها قائدهم، سألها بشيء من الغطرسة: "هل تشهدين أننا كنا متحضّرين معك؟" تزامنت واقعة التفتيش التي انتهت بالسؤال: "هل تشهدين أننا كنا متحضّرين معك؟" مع نهاية 43 ساعة أشرف فيها الإسرائيليون على واحدة من أبشع مجازر القرن العشرين، راح ضحيتها ما لا يقل عن 3500 شخص، تفنن قاتلوهم في مختلف أشكال الذبح والتعذيب. لم تجب بيان على سؤال الضابط الإسرائيلي، وربما لم تفكر لحظتها أن إجابة ما مفصّلة وموثقة ستتشكل بين يديها على مدى عشرين عاما تواصل فيها البحث في وقائع المجزرة، تستمع لشهادات الأهالي، وتبحث في الوثائق، وتنقِّب وتدقِّق وتحصي في محاولة لإحاطةٍ أكثرَ شمولاً بما حدث في تلك الأيام الثلاثة في صبرا وشاتيلا. هذه مراجعة لكتاب المؤرخة اللبنانية بيان نويهض الحوت عن مذبحة صبرا وشاتيلا. أعي بدءاً أنني لن أفي الكتاب حقه، وأن على آخرين أكثر دراية مني بالدراسات التاريخية، والتاريخ الشفهي تحديدا، العودة إليه مرارا لتناوله بما يبرز أهميته وقيمة ما أضافه. يقع الكتاب في 802 صفحة من القطع الكبير تقدم معرفة موثّقة بالمذبحة عبر شهادات الناجين من الموت وأهالي الضحايا والمفقودين، وعبر الدراسة الميدانية، والتنقيب في كافة التقارير واللوائح والكتابات التي تناولت الموضوع. سجّلت الباحثة 140 مقابلة في الفترة بين 10 نوفمبر 1982 إلى 2 مارس 2001، منها 119 مقابلة مسجلة في العامين التاليين مباشرة على الحدث، ومقابلة واحدة مسـجلة عام 1986، وتسع عشرة مقابلة في الفترة من 1998 إلى 2001، أما الدراسة الميدانية فتعتمد على 450 استمارة وُزِّعت على أهل الضحايا و100 استمارة وُزِّعت على أهل المفقودين والمخطوفين. وتضم الوثائق سجلات ولوائح بأسماء الضحايا والمفقودين والمخطوفين من مصادر مختلفة، ومخطوطات غير منشورة ليوميات الغزو الإسرائيلي للبنان، فضلاً عن التقارير الرسمية والصحفية والتلفزيونية، والمقالات والكتب التي تناولت الموضوع. تبدأ الكاتبة الكتاب بكلمة شكر تقدمها أولا لذوي الضحايا وشهود المجزرة، ثم إلى الأهل والأصدقاء والمعارف الذين دعموا المشروع وصاحبته طوال عشرين عاما، وهي الفترة التي استغرقها البحث، تشكر من بين من تشكر شفيق الحوت وإدوارد سعيد ووليد الخالدي وأنيس صايغ ومحمود درويش ومحمود سويد، كما تشكر المصورين الأجانب الذين أمدوها بما التقطته عدساتهم من صور المذبحة. لماذا أقتطع من هذا العرض السريع تلك المساحة للإشارة لما جاء في كلمة الشكر؟ ربما لأن العمل الضخم الذي أنجزنه بيان نويهض الحوت هو من الإنجازات التي عادة ما تضطلع به المؤسسات لا الأفراد، ولكن هذه السيدة قامت بالمشروع منفردة، وإن عاونها الأهالي والعديد ممن تذكر أسماءهم في كلمة الشكر. إنها، في استهلال الكتاب، تنتسب، فليس ذكر هذه الأسماء هنا مجرد تسجيل للعرفان، بل هو تأكيدٌ لسياقٍ وهوية تربط الكاتبة بالناجين من المذبحة كما تربطها بمجموعة من المثقفين العرب والأجانب يمثّلون الجانب الأكثر إشراقا من إنسانية تبدو، في ضوء المجزرة، مهددة في حقيقتها ومصداقيتها. كتاب بيان نويهض الحوت يؤرخ لمجزرة، وتاريخ المجازر، كما تؤكد الدارسة في كتابها، يختلف عن التأريخ لأي حدث آخر لأسباب متعددة، أبرزها "أن المجازر عمليات تتصف عادة بالسرية إلا في النادر والقليل منها" (ص 6)، فهي غالبا بلا وثائق ولا مستندات. كانت حدود المشروع في بدايته محاولة لتوثيق شهادات أهالي صبرا وشاتيلا عن المجزرة، والحفاظ عليها، ولم يكن ذلك بالأمر الهيِّن، إذ فرضت الظروف السياسية في لبنان في السنوات التالية مباشرة قيودا قاسية: "فالمنطقة المنكوبة كانت مراقبة باستمرار، وكان مجرد ذكر كلمة مجزرة، بعد انتهاء موسم الإعلام الأجنبي في الأيام الصعبة الأولى قد بات من المحرّمات" (ص 14). كان على الباحثة إجراء المقابلات بعيداً عن أعين المُخبِرين، وكان عليها تدبير نقل الأشرطة على نُسَخٍ ثانية، ثم الحفاظ عليها بتمويهها وتأمينها في بيوت الأصدقاء، كذلك كان تفريغ الأشرطة بكتابة ما ورد فيها على الآلة الكاتبة محفوفاً بالمخاطر مما دفع إلى نَسْخِها بخط اليد. ولم تكن مرحلة التاريخ الشفهي سوى المرحلة الأولى، إذ أعقبتها مرحلة الدراسة الميدانية بهدف جمع أسماء الضحايا، وكل ما يمكن جمعه من معلومات عنهم، ولقد بدأت الباحثة في ربيع 1984 بتوزيع الاستمارات على أهالي الضحايا، ثم ترجمة مآسيهم إلى أرقام ونسب مئوية: عدد القتلى من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين، ونسبة كلٍ من مجموع الضحايا: نسبة الأطفال، نسبة الإناث والذكور، المراحل العُمْرية...إلخ وهناك بطبيعة الحال الجهد المتصل والموازي للمرحلتين المشار إليهما أعلاه، وهو إلمام الباحثة بما يتصل بموضوعها من تحقيقات وتقارير رسمية وأهلية، وما نشر عنه في الكتب والصحف والمجلات، وما التقطه المصورون من صور، وأفلام وثائقية... إلخ. II في الفصل الأول من الكتاب تضع الباحثة المجزرة في سياقها العام: 1948 وما ترتب عليها من الشتات الفلسطيني ووضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وفي سياقها الأَخَصّ: الغزو الإسرائيلي للبنان في صيف 1982. تتناول بيان نويهض واقع المخيمات حيث كان اللاجئون يُمنعون من بناء البيوت "حتى دقّ المسامير كان ممنوعاً أيضاً، كما قال أبو القاسم، فإذا دقّ أحدهم مسمارا جرّه المكتب الثاني [جهاز الاستخبارات اللبناني] للتحقيق، ولو تساءل أحد لماذا؟ فالجواب جاهز. يجب أن يكون سقف البيت من التوتياء أو ألواح الزينكو [الصفيح]، وذلك لأن السقف المصبوب يعني بقاء واستمراراً لا يتوافقان مع حياة اللجوء، والتي ما هي إلا مرحلة مؤقتة حتى العودة إلى فلسطين" (ص 46). ويصف أبو علي، مخيم شاتيلا عام 1959، وهي سنة قدومه إلى المخيم: "شاتيلا كانت عبارة عن خيم، معمر لها من الداخل 6 أو 7 مداميك [صفوف مرصوصة من الحجارة أو الطوب] ومسقوفة فوق بألواح خشب عليها حجار. نُص سكان شاتيلا اللي مش قادر يحط حجار جوات الخيمة كان يحط ألواح زينكو أو تَنَك. يعني كان هناك تَنَك مغلّف بقماش متقلّو بحجار. ولكن لما كان يقوى الهوا ويشتد كانت الخيمة تتنفخ وتصير مثل البلّون. وتصير الناس تركض. اللي بعدهم حاطين عمود للخيمة يمسكوا العمود، واللي كانوا متجاوزين قصة الخيمة، يصيروا يتقلّوا على السقف بخشب أو يطلعوا يقعدوا على السقف. كان ربّ البيت يتحمّل البيت بصدره حتى ما يطير السقف. وما كانت العملية أسهل مع سقوف الزينكو، لأنو لما كان ييجي الهوا الصعب كان ياخد معه ألواح الزينكو مهما يكون عليها متقلات، وكانت شغلة. يا ما ناس تجروحت وهي لاحقة ألواح الزينكو الطايرة في الهوا." (شهادة أبو قاسم للمؤلفة في 28 إبريل 1983، ص 46). وبقيت إقامة السقف ممنوعة "حتى جاء عهد منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان فأصبح الممنوع مسموحا." (ص 48) أما حرش ثابت وهو المتاخم للمخيم من جهة الجنوب، وأول المناطق التي طالتها المجزرة فلم يكن مسكوناً حتى عام 1973، إذ كان البناء فيه ممنوعاً، ثم تحوّل لاحقاً إلى مأوى للعائلات الفلسطينية واللبنانية الفقيرة. لقد طالت المجزرة الأحياء الشعبية في منطقة شاتيلا، لم يدخل المهاجمون قلب المخيم بل الأحياء المتاخمة له: بئر حسن، وحيّ المقداد وحيّ فرحات بمنطقة الحِرش، والأحياء المقابلة: حي عرسال، والحي الغربي، والدوخي، وشارع شاتيلا الرئيسي، والقسم الجنوبي من منطقة صبرا، وكلها مناطق شعبية سكنها فلسطينيون ولبنانيون وسوريون ومصريون وجنسيات أخرى أيضا منها عمال من بنجلادش والهند وباكستان. في أغسطس 1982، غادرت المقاومة الفلسطينية لبنان، بعد توقيع الاتفاقية مع المبعوث الأمريكي فيليب حبيب، وبعد أن أكدت القيادة أن لديها ضمانات بحماية المخيمات والمدنيين الفلسطينيين. تلقى كل المقاتلين الذين لم يكونوا من اللاجئين إلى لبنان منذ عام 1948 أمرا بالمغادرة، أما من كانوا من لاجئي 1948 فقد خُيِّروا بين البقاء والمغادرة. وسلّمت المقاومة سلاحها ومخازن الذخيرة إلى الأحزاب الوطنية اللبنانية. ولجأ الشباب إلى دفن سلاحهم الفردي في مخابئ بعيدة عن المخيم، واضطر البعض لما يمثّله هذا السلاح من تهديد لأصاحبه ولأهالي المنطقة التي يعيشون فيها، إلى التخلص منه ( حتى بتركه في المزابل). في أثناء القصف المتواصل على بيروت كان أهالي منطقة شاتيلا قد غادروها إلى الحمراء والرَوْشَة ومناطق أخرى من بيروت، ولم يعودوا إلى بيوتهم إلا بعد توقيع الاتفاقيات وخروج المقاتلين. كانت المنطقة ما زالت بلا ماء ولا كهرباء، وكان من عاد من الأهالي (حوالي 60% أو 70% منهم) منهمكين في إصلاح بيوتهم التي أصابها القصف. حين حاصر الإسرائيليون صبرا وشاتيلا والأحياء التاخمة لهما يومي الأربعاء والخميس 14و 15 سبتمبر شهدت المنطقة قصفاً إسرائيلياً عنيفا،ً وكان المخيم بلا قيادة، وبلا مقاومين، وبلا سلاح، وبلا ماء ولا كهرباء. ولذلك قرر "وجهاء" المخيم، (الأكبر سناً أو مكانة)، إرسال وفد للقوات الإسرائيلية لإعلامهم أن المخيم خالٍ من السلاح والمقاتلين. تحرك الوفد في الساعة الثالثة والنصف بعد ظهر الخميس (اختلف الرواة على عدد الوفد، ربما، وهذا ترجيح الكاتبة، لأن الوفد في بدايته لم يكن هو نفسه في نهايته)، ولكن يبدو أن من وصلوا كانوا أربعة أشخاص: واحد منهم دون الأربعين، والثلاثة الآخرون فوق الستين. لم يعد أي منهم، قتلوا جميعا. كذلك اتجه وفد من النساء والأطفال من مستشفى عكا، يرافقهم رجلان، يحملون أعلاماً بيضاء، فبادرهم الإسرائيليون بإطلاق النار، واحتجزوا النساء والأطفال لمدة ساعة ثم أمروهم بالعودة ركضاً إلى بيوتهن في المخيم، أما الرجلان فاختفيا إلى الأبد (وهما أب وابنه يعملان في محطة الوقود المقابلة للمستشفى). استمرت المجزرة طوال 43 ساعة متصلة من السادسة مساء الخميس إلى الواحدة ظهر الأحد، في منطقة يُطوِّقها الجيش الإسرائيلي ويسيطر عليها ويتابع ما يجري فيها، ويمنع الأهالي من محاولة الهروب منها، ويؤمِّن لمنفذيها ما يحتاجونه: القصف الشديد الذي دفع الأهالي إلى الملاجئ (سيتم ذبحهم في الملاجئ)، القذائف الضوئية التي ستتوالى طوال ليلة الخميس فتحول ظلام المخيم إلى ضوء ساطع (قذيفتان مضيئتان كل دقيقتين من مدفعية 81 مم، طوال الليل)، المعلّبات والأطعمة والمشروبات التي يتناولها منفذو المذبحة (يتفق العديد من الشهود على رؤية المعلبات والزجاجات الفارغة التي تحمل كتابة باللغة العبرية). كما سيوفر الإسرائيليون الجرافات التي ستهدم البيوت أو تلقي بالجثث في مقابر جماعية. أما منفذو المذبحة فبضعة مئات من الميليشيات: أساسا من ميليشيات "حزب الكتائب"، و"سعد حداد"، و"حراس الأرز"، وبعض "النمور الأحرار"، وقد شاركهم، بشهادة الشهود، إسرائيليون يرتدون زِي الكتائب، كانوا يُحجمون عن الكلام، وإن سمع البعض في لحظات معينة اللغة العبرية. استخدمت الميليشيات الرصاص والسكاكين والبلْطات والقنابل في قتل الأهالي. تم قتلهم داخل بيوتهم، وفي الملاجئ والأزقة والطريق العام. هدموا البيوت على الأحياء أو الجرحى أو المقتولين، مثّلوا بالأحياء، ومثّلوا بالجثث (قطعوا الرءوس والأيدي والأرجل، وشقّوا البطون)، اغتصبوا نساءً، مزقوا أطفالا، دفنوا أحياءً في حفر وقبروهم بالرمال، وخطفوا مئات الشباب تم نقلهم إلى أماكن غير معلومة (لم يظهر منهم أحد بعد ذلك أبدا). ذلك فضلا عن سرقة ما في البيوت أو في جيوب الأهالي، والشتائم البذيئة والإهانات. وقبل المغادرة تم تفخيخ العديد من الجثث بقنابل وألغام. امتدت المجزرة في يومها الأول من غروب يوم الخميس حتى منتصف الليل، وامتد اليوم الثاني، يوم الجمعة، وهو أطول أيام المجزرة أربع وعشرين ساعة كاملة، أما اليوم الثالث، الأحد، وهو اليوم الأخير فقد امتد نحو ثلاث عشرة ساعة من الثانية عشرة ليلا حتى الواحدة ظهرا. ولما كانت المنطقة بلا مقاتلين ولا قيادة، فلم تتجاوز عمليات التصدي مقاومة محدودة في أربعة مواقع قام بها أربع مجموعات صغيرة لا يعلم كل منها بوجود الأخرى. ووفقا للشهادات "يمكن تقدير مجموع الذين قاموا بعمليات التصدي ضد القوات الإسرائيلية المحاصرة يوم الخميس، في المحاور الأربعة، بنحو ستين شابا وخمس فتيات، لم يكن بينهم من المقاتلين المدرّبين سوى عدد محدود جدا، أما الأكثرية فكانت من الشبان المتحمسين الذين تفوق حماستهم قدرتهم القتالية الفعلية."(120) وكان هؤلاء الشباب وهم يتصدون بشكل تلقائي، لا يعلمون بدخول المليشيات اللبنانية ولا بمهاجمتها البيوت وذبح الأهالي. مقاتل واحد، (تشير له الباحثة باسم "إبراهيم") اتجه بعد ظهر الخميس إلى المنطقة بهدف الاستطلاع، وعلم أن القوات المهاجمة قوات لبنانية، واشتبك معها، ولما كادت ذخيرته تنفذ "اخذ إبراهيم ينتقل من ملجأ إلى آخر داعيا الناس إلى الخروج بهدوء في اتجاه الشمال." (ص 173)، وأمّن فعلا خروج عدد كبير من الناس. وقائع المجزرة من أقوال الشهود: في الليلة الأولى دخلت الميليشيات المسلحة إلى الأحياء المتاخمة لمخيم شاتيلا (أحياء فرحات والمقداد والحِرش وعرسال وبئر حسن). تم اقتحام البيوت، والقضاء على نزلاء المخابئ. قُتل العشرات في ملجأ أبو ياسر، وهو سوري قتل في المجزرة كما قتل كل أفراد عائلته، وأغلب من احتمى في ملجأه من الأهالي. يوم الخميس ذاك، امتلأ ملجأ أبو ياسر وهو ملجأ صغير نسبيا وخاص بأبي ياسر، بالأهل وبالجيران وجيران الجيران، احتماءً من القصف الإسرائيلي. وصلت الميليشيات إلى باب الملجأ الصغير وصاحت في كل من فيه أن يخرج فورا. طُلب من الرجال الوقوف إلى جانب الجدار المقابل للملجأ، واقتيد البعض إلى جراج أبو جمال القريب من شارع شاتيلا الرئيسي، وأمروا النساء والأطفال بالسير في الطريق العام لأنهم سيأخذونهم إلى مستشفى عكا. بعد أن ابتعدت النساء، تم إطلاق الرصاص على الرجال الواقفين بجوار الحائط، أما من اقتادوهم إلى جراج أبو كمال ومحطة الوقود فقد تم قتلهم أيضا على الطريق، أو في الجراج أو عند محطة الوقود. تعلق بيان نويهض: "جدار الموت القريب من ملجأ أبو ياسر لم يكن جدار الموت الأوحد في مجزرة صبرا وشاتيلا، ولكنه ربما كان الأول في سلسلة عمليات متشابهة امتدت طوال ثلاثة أيام. ولو قدر لكل من أمروه بالوقوف هناك، ثم رشوه بالرصاص أن يموت فعلا، لما بقي هناك من يتحدث عن جدار الموت... ولو كانت الجرافات تمكّنت من إخفاء معالم الجرائم كلها، لما وجد المصورون بعد انتهاء الأيام الثلاثة الأولى ما يثبت أقوال أصحاب الشهادات أدناه" (ص 163)، ومنها شهادة ديفيد لامب من جريدة "اللوس أنجليس تايمز": "عائلات بأكملها ذُبحت. مجموعات من عشرة إلى عشرين شخصا كانوا يوقفونهم إلى جانب الحيطان ويرشونهم بالرصاص. أمهات ماتت وهي متشبثة بأطفالها. كل الرجال ظهر أن النار أطلقت عليهم من الخلف. خمسة شباب في عمر القتال ربطوا إلى بيك أب [سيارة نصف نقل]، وجروا على الطرقات قبل أن تطلق عليهم النار" (ص 163). وينقل أحد الشهود ما حكاه له مصطفى هبرات الذي أطلق عليه النار على حائط من حوائط الموت: "صفّوا الرجال كلهم على الحيط، وبلحظات كان الرصاص يلعلع، ووقعت مرتُه [وهي جزائرية] وأولاده الثلاثة أمام باب المنزل جتت هامدة قبل ما كانوا المجرمين تلفتوا للرجال. هو قال أنو حالا شعر إنهم راحوا. بساعتها عرف من صراخ بنته الصغيرة، عرف إنهم ماتوا.. فراح بدّو يهجم على المسلحين قدّامو بلا وعي. قوّصوه. وضلوا يقوّصوا. وهو ضل نايم بالأرض. وهنّي [هم] افتكروا أنّو مات" (شهادة أسعد م. ص 165). لم يمت مصطفى، ظل مصابا وبين جثث القتلى إلى أن تمكن من الهرب. وحكى حكايته. تعلق بيان نويهض: "كان التصوير والمصورون والصحافة والصحافيون من الأمور الممنوعة حتى يوم السبت إلى ما بعد خروج القتلة. ولكن... من قال أن عدسة آلة التصوير أكثر صدقا من عين الإنسان" (ص 200). سيحكي الناجون من المجزرة في هذا الكتاب تفصيلا عما شاهدوه بعيونهم. "وإن أمكن القول أن ليلة الخميس كانت ليلة القضاء على نزلاء الملاجئ، لأمكن القول إن يوم الجمعة كان يوم اقتحام مستشفى عكا" (199). في هذا اليوم الثاني سيتم اقتحام مستشفى عكا. قبل الاقتحام فقدت المستشفى اثنين من العاملين فيها، أولهما عرابي وهو مصري يعمل موظفا في قسم الأشعة. خرج عرابي من المستشفى لسبب أو آخر، وما كاد يخرج ويمر من جانب محطة الوقود المجاورة حتى أردوه قتيلا، وفي نفس الوقت خرجت عاملة مصرية بالمستشفى لتشتري علبة دخان للطبيب فأصابتها رصاصة وسقطت عند باب المستشفى. ثم وصل المستشفى من محطة الوقود رجل مصاب بجروح بالغة وأبلغهم أن في المحطة شخصين مصابين. و"كان الهم الأكبر للطبيب سامي الخطيب أن يتمكّن من جلب اللذين أصيبا في محطة الوقود لعله يستطيع إنقاذهما أو إنقاذ أحدهما"، وعندما توقفت سيارة عند المستشفى وقبلت صاحبتها إعارتها في مهمة إنسانية تمكنت عاملة مصرية بمطبخ المستشفى أن تقودها بحذر وهي تحمل معها اثنتين من الممرضات الأجانب، وأن تصل المحطة. كان أحد القتيلين هو عرابي. تقول إحدى الممرضتين: "عرفناه من ثيابه ومن الكيس الذي كان يحمله. أما وجهه فكان من المستحيل التعرّف عليه. كانت تلك الجهة الأخرى من خده قد طارت ولا أعلم أي نوع من الرصاص استعملوا. كان هناك عدة بقع تنزف من عدة أجزاء من جسمه. وتمكنا من سحبه إلى السيارة أنا وإريكا...نظرت إلى غرفة الطوارئ إلى ساعته، فرأيتها في تمام الساعة العاشرة والخمسين. وضعنا حوائجه جانبا. وما كاد الطبيب ينتهي من تكفينه ويذهب ليخبر زوجته بما جرى حتى شاهدنا مسلّحا يقف بالباب" (شهادة الممرضة النرويجية آن سوندي، ص 226) اقتحم المسلحون المستشفى في الساعة الحادية عشرة، "كان المقتحمون متوترين وينظرون يمنة ويسرة بحثا عن ’مخربين‘. أما في أثناء وجودهم في المستشفى في ذلك النهار، فقد كان لديهم الوقت الكافي ليتعاملوا مع كل الموجودين في المستشفى، أطباء وعاملين ومرضى، معاملة متفاوتة وفقا للجنسية أحيانا، ووفقا للمزاج في أحيان أخرى؛ وهي محاولة تراوحت بين المعاملة بالحسنى وبين التعذيب والاغتصاب والقتل الوحشي" (ص 226). تلقى الأجانب أمراً بالخروج من المستشفى وهم يرفعون أيديهم. قتل الطبيبان الفلسطينيان في المستشفى: د. علي عثمان والدكتور سامي الخطيب، وشهد طبيب أنه رأى المسلحين يخنقون الممرضتين اللتين بقيتا للعناية بثمانية جرحى وخمسة أطفال معوّقين وعددٍ من الرضّع. وروت ممرضة لبنانية أن زميلتها الفلسطينية: "ذهبت للبحث عن أختها التي التجأت إلى بيت قريب من المستشفى فوجدتها عارية ملطخة بالدم ... ومقتولة خنقا" (ص 232). كما يروي طوني أنه شاهد من منزله المجاور للمستشفى واقعة اغتصاب الممرضتين وقتلهما. وقد شهد شهود عيان بأنهم رأوا جثثا لأربعة رجال بالرداء الطبي الأبيض في مسبح المدينة الرياضية تطفو على سطح المسبح. وربما كان الطبيبان علي عثمان وسامي الخطيب من بينهم أو المسعفين الثلاثة ( زياد معروف ونزار الصادق وجهاد الحاج) الذين قتلوا وهم في طريق عودتهم من مستشفى غزة حيث أوصلوا أحد الجرحى. "ومن ضحايا الجسم الطبي والعاملين في مستشفى عكا طبيبان، وممرضتان، وثلاثة مسعفين، وموظف وطباخ وحارس. وباقي الضحايا من المرضى وخصوصا الأطفال" (237). ويرِد في الشهادات أن الأطفال غير مكتملي النمو قد أُخرجوا من الحاضنات، وأن أطفالا آخرين رضّعا، أو في السنوات لأولى من عمرهم وجدوا مقتولين في أماكن أخرى. وتشهد الممرضة نزيهة: "إحنا تاني يوم لقينا طفل مزتوت [ملقى] برّا بالجنينة. ورجعنا رحنا على صبرا لقينا أطفال كنا نعالجهم. يعني بنعرفهم، شفناهم. كان في أطفال عمرهم شي سنة، وفي 3 سنين، وفي 4، وفي ولد مشلول ما بيتحرك قاتلينه بالبلطة. يمكن قاتلينهم وراميينهم في صبرا حتى ما ينقال إنهم قتلوا الأطفال المرضى في المستشفى" (ص240). ويحكي أبو الرائد عن واقعة إلقاء قنبلة فوسفورية في يوم الجمعة على ملجأ صغير نسبيا (يتسع لخمسين أو ستين شخصا): "يعني يا دوب رموا القنبلة الفوسفورية ع الملجأ لتحت، ولعت الدنيا. ولع الملجأ باللي فيو[ بمن فيه].. وسمعنا صريخ، يا الله شو ها الصريخ..." كانوا أربعة من المقاتلين وفتاة مقاتلة اسمها فاطمة. يواصل أبو الرائد: "إحنا أطلقنا النار، اشتبكنا نحنا ويّاهم بحدود عشر دقايق ويمكن أقل. طبعا سمعناهم بنادوا على بعض يا توني، ويا سعيد، ويا بيير ويا روبير. وأنا بهاي اللحظات، أنا سمعت عبري. تحديدا بهاي اللحظات اللي انرمت فيها القنبلة الفوسفورية، أنا لما تْلفَّتّ عليهم، أنا سمعت لغة يهود، لغة عبرية" (شهادة أبو الرائد، ص 211). وفي نفس اليوم ستواصل الميليشيات عمليات القتل في البيوت، وستعمل الجرافات في هدم البيوت على من فيها من جثث، كما ستطمر الجثث في حفر، سواء حفر ناجمة عن قصف الطيران الإسرائيلي أو حفر جديدة حفرتها الجرافات. في اليوم الثالث، السبت 18 سبتمبر، ستبدأ الميليشيات عملها مبكرا، في الرابعة صباحا تبعا لشهادة البعض، تقتحم البيوت وتسوق من فيها إلى ساحة صبرا ويتم تجميع سكان صبرا وشاتيلا في ساحة صبرا، ثم بدءا من السابعة صباحا تقتادهم في مسيرة قسرية جنوبا باتجاه السفارة الكويتية، ثم يمينا إلى المدينة الرياضية. في هذه المسيرة التي شبّهها البعض بيوم الحشر، تم اختطاف أعداد كبيرة من الشبان. وفي السابعة صباحا من نفس اليوم أيضا يتم اقتحام مستشفى غزة، ولكن هذا المستشفى الأكبر لم يشهد اقتحاما مماثلا لمستشفى عكا إذ كانت وصلته أنباء المجزرة وبعض ما حدث في مستشفى عكا في اليوم السابق. يوم الجمعة اجتمعت عزيزة الخالدي مديرة المستشفى بالطاقم الطبي العربي وطالبتهم بالمغادرة، وطلبت من الصليب الأحمر الدولي الإشراف على إخلاء المستشفى من الحالات الصعبة والأطفال. و"كان من أبرز المشاهد الأخيرة التي شهدها المستشفى يوم الجمعة، مشهد رفض الأطباء النرويجيين مرافقة السكرتير الأول في سفارتهم للنجاة بأنفسهم، حين جاء ثاني مرة مع بعثة الصليب الأحمر الدولي لإخلاء المستشفى إذ فضّلوا البقاء مع زملائهم ومع المرضى" (ص 301). عند وصول المسلحين إلى المستشفى صباح يوم السبت، اقتادوا الطاقم الطبي الأجنبي (كان عددهم 18 في قول البعض، وأكثر قليلا في قول البعض الآخر) وتركوا المتبقّي من المرضى (6 حالات صعبة و32 مريضا في رعاية ممرضتين). وشهد الأجانب كما شهد غيرهم من الأهالي أنهم في المسيرة القسرية باتجاه المدينة الرياضية شاهدوا الجرّافات وهي تواصل عملها، كانت هدمت بيوتا كثيرة (حتى أن الشارع بدا أوسع)، وشاهدوا بيوتا مهدومة وجثثا مكوّمة في أطراف الأزقة وعلى جانبي الطريق. استغرقت المسيرة الإجبارية حتى الظهر، تعرّض فيها الأهالي للقتل والإجبار على السير في حقل ألغام ("راح باللغم ست قتلى وست مجاريح"، شهادة الحاج محمود، ص 322)، كما تعرّضوا لأشكال من الإذلال، ربما كان أخفها الشتائم البذيئة. كان عليهم أن يهتفوا: "تعيش الكتائب"، أو "يسقط أبو عمار"، أو يصفِّقوا أو يرقصوا. أرغموا امرأة حبلى بالرقص تحت تهديد السلاح، وكان عليها أن ترقص عنوة حتى سقطت من الإرهاق، كما أجبروا زوجها على الركوع ثم أطلقوا عليه النار. أما العجوز التي تصورت أن من يرتدون الزي العسكري فدائيين فأطلقت العنان للفرح على عودتهم وراحت تغني لأبي عمار فقد شرط المسلحون فمها حتى أذنيها ثم أطلقوا عليها النار فسقطت قتيلة (شهادة سـهام بلقيس، ص 317). وفي المدينة الرياضية حيث تم التحقيق مع الأهالي من قِبَل القوات اللبنانية والقوات الإسرائيلية تعرضت أعداد كبيرة للخطف. وتحكي أم سليمان حكاية زوجها الأغرب من الخيال. هو أصلا من مخيم نهر البارد في طرابلس، تصادف أن جاء إلى شاتيلا لزيارة أهل له. أخذوه إلى المدينة الرياضية. أمسكوا به وهم يضحكون، وقام أحدهم بذبحه بسكين. ورموه في حفرة قريبة، لكنه لم يمت..عاش الحاج نحو أربعة أشهر من دون أن يتمكن من الكلام، وحين تمكن من الكلام، حكى لزوجته وابنته، ما حاول أن ينقله لهمدا بالإشارات. أعاد الحاج ما جرى له عدة مرات. طوال ثلاثة أيام، وهو يحكي. "تكلم ثلاثة أيام فقط ثم مات" (شهادة أم سليمان، ص 336). أما الحاج محمود فحكى مباشرة للمؤلفة في لقائه معها في 16 فبراير 1983 كيف دفعه المسلحون إلى الحفرة فوجد نفسه داخل حفرة دائرية كبيرة بها 17 شخصا، الرمل فيها "كان صاير مثل العجين الجامد قد ما قاتلين في الجورة [الحفرة) ناس. والوحل بأرض الجورة يا ريته ناشف، كان طري من كتر الدم". وبقرب الحفرة المسلحون وأربع سيارات عسكرية نصف مجنزرة. يواصل أبو محمود شهادته: "... "أصعب شي مر عليّ أني كنت راح أختنق من ريحة التراب المجبول بالدم... ريحة الموت تفوت على المعدة تحس كل شي فيك عم يقلب. ما قادر أتحرك هيك أوهيك. كان فوق راسي (يقصد المُسلّح) وكانت رجله بالبوط عم تكسر لي راسي." بالصدفة تعرّف أحد المليشيات على أبو محمود الذي كان يعمل لدى أبيه ويعرفه وهو طفل فرجى قائده أن يفرج عنه. ( (شهادة الحاج محمود، ص 338-339). ظهر يوم الأحد 20 سبتمبر دخل الجيش اللبناني المنطقة، وبدأ المسعفون في جمع الجثث، ودفن الضحايا. يحفل الكتاب بشهادات عديدة للناجين من الموت، نساء ورجال وأطفال، شهود على المجزرة يفصّلون وقائعها وفظائعها. تمنح هذه الوثائق للكتاب قيمته، ولكنها أيضا تجعل من قراءته تجربة شديدة الخصوصية، موجعة قاسية، شديدة التأثير. أرقام وإحصاءات: لا مرجعية مسئولة بشأن الأعداد على الصعيد اللبناني أو الفلسطيني: "فما من مرجعية منهما قامت بإحصاء شامل للضحايا والمخطوفين والمفقودين، وأعلنت نتائج إحصاءاتها أمام الله والتاريخ والإنسانية."(ص 517) تبعا لتقرير لجنة كاهان الإسرائيلية يقدر عدد الضحايا بين 700 و800، أما أرقام لجنة الصليب الأحمر الدولي كما وردت في لجنة ماكبرايد فهي 2750 ضحية. تتجاوزها أرقام الصليب الأحمر كما وردت في شهادة الكاتب الأمريكي رالف شونمان أمام لجنة أوسلو فتشير "نحن رفعنا ودفنا 3000 ضحية، ولا يشمل هذا العدد الذين بقوا تحت الأنقاض" (ص 521) وقدّر شونمان العدد بين 4000 و4500، وقدّره كابليوك كاتب كتاب "تحقيق حول مجزرة" (1983) بين 3000 و3500، وقدّر ياسر عرفات العدد بين 5000 و6000، وبالرجوع إلى لوائح الصليب الأحمر الدولي، ومديرية مجلس الدفاع المدني اللبناني، ومجلس كنائس الشرق الأوسط، ومقبرة روضة الشهيدين والأسماء التي دوَّنَها الشيخ سلمان خليل الذي كان يصلّي على القتلى قبل دفنهم، ومقبرة الشهداء، ودار الفتوى ولجان أهالي المفقودين والمخطوفين وغيرها، استطاعت بيان نويهض الحوت أن تصل إلى تدقيق أسماء 1390 ضحية، دققتها إسماً إسماً مشفوعاً في الغالب بالعمر والوظيفة.، وهي تقول بشأن الأسماء التي دققتها: "ولو كان لهذا الكتاب أن يصدر بعد عام واحد فقط، لفاقت أسماء الضحايا والمفقودين والمخطوفين 1390. أما الذين سيكتبون عن صبرا وشاتيلا بعد عشرة أعوام فسيكون الرقم لديهم أكبر" (ص 534). قدّرت بيان عدد الضحايا ب3500، تقول: "إن أية محاولة لتقدير عدد الضحايا...مع تقدير الحد المقبول، إن لم نقل الحد الأدنى، تصل بالعدد إلى 3500" (ص 545). ويكشف البحث الميداني عن النسب التالية: "شهد اليوم الأول، الخميس 16 أيلول/ سبتمبر النسبة الأعلى من عمليات القتل، وهي نسبة 56% من العمليات وتتضاعف أهمية هذه النسبة في ضوء أن عمليات اليوم الأول جرت بين السادسة والعاشرة مساء وهي أربع ساعات، في مقابل 43.44% تمت في ال39 ساعة الموزعة على يومي الجمعة والسبت. وفي المقابل نجد النسبة معكوسة فيما يخص المخطوفين إذ بلغت 8% في اليوم الأول، و33% في اليوم الثاني، و59% في اليوم الثالث، أي أكثر من مجموع يومي الخميس والجمعة. أما بالنسبة لجنسيات الضحايا تبعا للدراسة الميدانية التي شملت كما أسلفنا 430 حالة. فجاءت على النحو التالي: 48.60% فلسطينيين، 27.91 لبنانيين، 5.35% سوريين و4.19 مصريين، وينتمي الباقون إلى جنسيات أخرى أو لا جنسية لهم. أما بالنسبة للمخطوفين فتصل نسبتهم بين الفلسطينيين 66%، و13% سوريين، و11% لبنانيين، و3% مصريين ثم جنسيات أخرى. ويشكِّل الذكور 70.47% من الضحايا، كما يشكِّل الأطفال دون الثانية عشرة بما في ذلك الأجنّة 21.87% من الضحايا. III الأصوات: لما كان الكتاب يعتمد بشكل أساسي على تسجيل شهادات الناجين من المجزرة الذين حكوا ما رأوه بأعينهم فإن التجربة التي يعيشها قارئ الكتاب تختلف نوعيا عن تجربة قراءة كتاب في التاريخ. إننا أمام مادة حية، مؤثرة، موجعة، تحيط بنا أطياف قتلى عديدين، وعذابات من شاءت لهم الأقدار النجاة من موت محقق، وإن فقدوا أقرب أقربائهم أو أصدقاءهم وزملاءهم. يحكي هؤلاء الناجون ما خبروه من هول، وننصت نحن القرّاء إلى ما لديهم تماما كما قالوه باللغة المَحْكِيَّة، بلهجاتهم الفلسطينية أو اللبنانية، لهجة الجليل، أو الساحل الفلسطيني، أو الجنوب اللبناني. تقتبس بيان مطولا من هذه الشهادات التي تشكل أساس كتابها وأحد إنجازاته الأكبر. وهناك أيضا صوت المؤرخة ذاتها، أو أصواتها، إن أردنا الدقة، صوت باحثة تتوارى الذات فيه خلف لغة التحليل وموضوعية الدارس، يقطعه صوت آخر: صوت إنسان ذاهل، مروّع مأخوذ بما توفر لديه من معارف. تنقل بيان نَصَّ كلام الشهود، أو تلّخص ما حكوه، تتتبع التفاصيل، تضاهي وتقارن وتربط وتستخلص ثم تتوقف لتسأل أو تعلِّق. وتشكِّل الأسئلة والخلاصات إيقاعا لحكايتها، ولصوتها الذي يروي. في الأسئلة مزيج من أسئلة البحث، أسئلة الباحثة وهي تتابع خيوط بحثها سعيا إلى إجابة، وأسئلة سياسة وأخرى وجودية، لا مفر منها أمام وقائع المجزرة: "كم كان عدد السكان؟ وما جنسياتهم؟"... وعن المقاومين الذين حاولوا التصدي : "من كان هؤلاء الشباب؟ هل كانوا فلسطينيين فقط، أم فلسطينيين ولبنانيين؟ كم كان عددهم؟ كم كان لديهم من سلاح؟ وهل كان لديهم خطة شاملة للمجابهة؟ وكيف كان يمكن الوصول إليهم لمعرفة ما جرى؟"، وعن المهاجمين "من كان هؤلاء؟" "كيف دخلوا /أو ..كيف اقتحموا؟"... شوهد عدد من الشباب يحمل سلاحه للتصدي: "أي حل هو الحل الأمثل: المقاومة أم التسليم؟"... "في الأيام اللاحقة عرف الجد وأسرته أن غيرهم في منطقتهم، بئر حسن، قد قُتل. فلماذا لم يقتلوهم كسواهم؟" الفتى مفيد ابتعد لحظة إطلاق النار، لم يُشاهد بعد ذلك أبدا. أخوه منير، ابن الثانية عشرة، أصيب ونام بين الأموات في العراء، وكانت أمه واخوته قتلوا: "ولكن ماذا عن اليوم التالي/أيهما سيكون أكثر حظا؟/ كيف سيكون الحظ أكثر أو أقل قليلا في أتون المجزرة؟ وكيف ستصلنا شهادة مفيد؟"... و"هل استشهدت فاطمة؟ "(فتاة من فَتْح ذهبَتْْ إلى مكتب الجبهة الشعبية وحصلَتْ على سلاح وشاركت في المقاومة المحدودة في المخيم)، هي أيضا لم يعثر لها على أثر. والفتى الذي ألقى قنبلة فوسفورية على المهاجمين يوم الخميس وقيل انه استشهد (كان في الرابعة عشرة من عمره) ما اسمه؟ من هو؟" تشركنا الأسئلة في مسار البحث الذي يتحول عبر الشهادات وصوت الكاتبة /الراوية إلى بحثنا نحن، إذ يحولّنا عبر القراءة من مروِيّ عليهم إلى طرفٍ في الرواية، ورواةٍ محتملين لها. أما التعليقات والخلاصات المتناثرة بطول الكتاب فتجمع بين الموضوعي والذاتي، فهي ليست مجرد خلاصات بحثية بل تأملات لباحثة/ إنسان مروّع أمام ما يتعرف عليه وينقله: تقول بيان : "يا الله، كم كان مصير الخارجين من ملجأ أبو ياسر مختلفا، فالموت في المجازر ليس واحدا، وليس صحيحا أبدا أنه ’تعددت الأسباب والموت واحد‘" (ص 151). تقول: "وكان مألوفاً في هذه المجزرة قتل الصغار والأجنّة" (ص 157). تقول: "ليس صحيحا أن المجازر لا تخلو من الرحمة. فالنساء حقا لم يشاهدن منظر قتل الرجال، ولكنهن سمعن أصوات الرصاص، وكان رصاصا غزيرا جدا"، ثم تكرر: "ليس صحيحا أن المجــازر لا تخلو من الرحمة. فما أرحم الموت بالرصاص من الموت بغيره" (ص 152). أو تقول: "في تاريخ المجازر يتكلم الموت أولا، ثم يتكلم القتيل، ثم يتكلم القاتل" (ص 612). تعلِّق: "كان الأمل أن ينبلج الصبح، فتقوم الأسرة بدفن ضحاياها. ولكن ...من قال إن الدفن مباح في المجزرة؟" (ص 186). تواصل: "من كان ينتظر في الصباح ليدفن قتلاه تحول إلى جثة تنتظر من يدفنها" (ص 186). في اليوم الثاني: "تطورت أساليب القتل، وما عادت جدران الموت وحدها تكفي [الإشارة إلى الجدار المجاور لملجأ أبو ياسر الذي صف الرجال بجواره وأطلق عليهم الرصاص] فكثر استخدام حفر الموت. تطورت أساليب اقتحام الملاجئ أيضا، فأكثر من ملجأ في هذا اليوم قضى من فيه حرقا بقنبلة فوسفورية، أو قتلا بالرصاص" (ص 199). "احتضنت أولادها، وبكت قدر ما شاءت. كان البكاء ما زال مسموحا به في الملاجئ" (ص 406). نتابع مصائر الأهالي، نتابع البحث، نتابع النتائج، ولكننا أيضا نتابع هذه السيدة التي توارت خلف بحثها ونتائجها طوال عشرين عاما، فيأتي حكيها محمّلا بما عاشته طوال تلك الفترة قرب الأصوات والأطياف. تقول: "في مرحلة التاريخ الشفهي كان تصوري أن مآسي مقتل العائلات كما رواها الناجون منها، هي من أكثر ما استمعت إليه مدعاة للألم. وكلّما أعدت قراءة مقابلة معينة، أو أعدت الاستماع إلى شريط معين، بدا لي في كل مرة صورة مأسوية جديدة، أو لحظة مأسوية لم أكن أدركها في المرات السابقة. وطالما انتظرت الانتهاء من مرحلة التاريخ الشفهي، تصورا أو وهما مني بأن مرحلة الدراسة الميدانية، أي مرحلة التعامل مع الأرقام، أخف وطأة على النفس من التعامل مع أقوال المعذبين وأصواتهم. غير أنني كنت مخطئة" (462). يسهل فهم لماذا استغرق هذا العمل من بيان نويهض الحوت عشرين عاما، صحيح أن ما جمعته من مادة وما بذلته من جهد لا يتاح إنجازه إلا في سنوات، لكن التعامل مع هذه المادة هو ما استغرق هذا الوقت، وكل شهادة مفردة من الشهادات المائة والأربعين التي تعتمد عليها الدراسة لها وطأتها المربكة. ولم تكن الإحصاءات والجداول، كما تقول المؤلفة، بأقل من ذلك وطأة. (اعترتني القشعريرة، ولست سوى القارئة، وأنا أمر بعيني على أسماء أسر كاملة فلسطينية ولبنانية أبيدت بالكامل. يتكرر اسم المقداد وهي عائلة لبنانية 33 مرة، 33 قتيلا من نفس العائلة، كما يتكرر اسم آل محمد، وهم فلسطينيون، 11مرة: رجل وزوجته وأولادهم التسعة، كما راح من أسرة البقاعي اللبنانية 8 أفراد هم الأب والابن والابنة والصهر والأحفاد. وفقدت أسرة الخطيب الفلسطينية 11 شخصا هم الجدة والأب والأم وأولادهما السبعة. كل أسرة منها مسجل أفرادها بالاسم والسن، يشملهم ذات المستطيل الأزرق الذي استخدمته الباحثة لتعيين ضحايا العائلة أو الأسرة الواحدة). لم ألتق بمنير الطفل الصامت الذي قضى ليلة بين الجثث ومنها أمه وأخواته، ولم أمش معه في شوارع شاتيلا بعد ثماني عشرة سنة من المجزرة وهو يحكي: "أنا.. أنا أكتر شي ضايقني مش بس الموت من حولي. أنا.. كنت مش عارف إذا أمي ماتت أكيد، وإذا إخواتي ماتوا أكيد. كنت عارف إنّو معظم الناس من حواليّ ماتوا. وصحيح أنا نفسي كنت خايف أموت. لكن أنا ضايقني كتير إنهم (الميليشيات) كانوا يضحكوا ويسكروا ويتسلوا طول الليل. رموا علينا بطانيات وتركونا للصبح. وكل الليل كنت أسمع أصوات بنات يبكوا ويصرخوا: ’منشان الله اتركونا بحالنا‘ يعني ما فيني إتذكر قدّيش اغتصبوا بنات. أنا أصوات البنات من الخوف والوجع، ما بعمري فيني أنساها." (شهادة منير في سبتمبر 2000، ص 160-161). ولم أجلس أمام أم ربيع ولا أم أكرم، وهما تتحدثان: أم ربيع الممرضة التي أنقذت العشرات وتتكلم ببساطة كأنها "لا تقول إن والدها قتل في تل الزعتر، وإن أمها وأخاها قتلا في شاتيلا" (ص 175)، وأم أكرم التي شاهدت مئات الجثث وهي تبحث عن أولادها فجر يوم الجمعة، وتعلِّق: "يا ربي لو في مقاتلين ما صار فينا اللي صار في الغابات" ((ص 69). ولم أرافق هند بعد سبعة أشهر من المجزرة وهي تعيّن أماكن "الحفر الكبيرة اللي عبّوها قتلى"، والطريق التي شقتها الجرّافات "هلاّ بنمشي وبفرجيكي... شوفي ها الجورة [الحفرة] هون، كانت كلها جتت. كلهم جابوهم بالجرّافة ورموهم. عشرات الجتت. اللي كانوا بهاي الحفرة كلهم طلّعهم بعدين الدفاع المدني ولفّوهم بأكياس نايلون" (شهادة هند، ص 381). ولم أستمع بعد ستة عشر عاما من مرافقة هند، لحديث الحاج هيثم وهو يشرح: "كان علينا أن ندفن مش أقل من 800 ضحية. ونمدّ كل 10 أو 12 واحد حدّ بعض. وكان الشيخ سلمان يصلّي جماعة على العشرة كل فوج بفوجه، كل فوج مش أقل من خمس دقايق، وكان خيّو الشيخ جعفر الخليل يساعده بالصلاة، يعني مداورة" (ص 387). لكن بيان نويهض الحوت عايشت ذلك كله طوال عشرين عاما، سمعت أحاديثه الناجين من المجزرة تفصيلا وسجّلتها، وفرّغتها على الورق، وكان عليها أن تحدِّق وتدقِّق في كل تفاصيلها، وتخطها بقلمها، وتصنع منها كتابا. وهي تكتب: "من الأبيات الشعرية الفلسفية التي يتعلمها الطالب العربي على مقاعد الدراسة... قول الشاعر: "تعددت الأسباب والموت واحد." غير أن الموت في المجازر ليس كالموت في أي مكان آخر، وهو من دون ريب ليس موتا واحدا كأي موت آخر. إن للموت في المجازر أكثر من صورة، وأكثر من نهاية، وإن تكن له بداية واحدة وفي ساعة معلومة.... ضحايا صبرا وشاتيلا ما كانوا ضحايا زلزال أرضي، أو ضحايا بركان جبل من نار. هؤلاء هم ضحايا مجزرة. الموت في المجازر موتان لا موت واحد. فالموت الأول هو الموت، والموت الثاني هو في إنكار حدوث ذلك الموت، هو في البحث عن ضحية ضائعة، وفي محاولة إثبات أكثر من حق ضائع لها، حتى حقها في الموت، ثم في استخلاص شهادة لها بذلك الموت! وكم من الذين قتلوا في صبرا وشاتيلا لم يجد لهم ذووهم بقايا، ولم يمنحهم أحد شـهادات تثبت حتى موتهم" (459). لا يقتصر حديث المجزرة على فاجعة القتل والخطف بل يتجاوزه إلى أمور أخرى فادحة، قد لا يفصّلها الكتاب دائما، ولكنه لا يُغفل أبدا الإشارة لها ضمنا أو بشكل صريح، فيجد القارئ نفسه يسأل لماذا لم يُنشر تقرير جرمانوس أبدا، وهو التقرير الرسمي للحكومة اللبنانية (لم ينشر إلا ملخصا في الصحافة الإسرائيلية)؟ لماذا "ضاعت" لوائح الصليب الأحمر اللبناني فيما يخص أعداد الجثث عند دخول المنطقة؟ لماذا تُرك الأهالي في مواجهة المهاجمين وهم عراة تماما من أي قيادة؟ لماذا صدّقت القيادة الفلسطينية "الضمانات" الأمريكية كأنها بلا تاريخ تتعلم منه؟ هناك الجناة الذي اقترفوا الآثام المروّعة، ولكن هناك مسئوليات أخرى فادحة يصعب على الباحث الأمين ألا يشير إليها. لقد تناول المجزرة العديد من الكتّاب الكبار، لعل من أبرزهم وأولهم الكاتب الفرنسي جان جنيه التي كتب عن زيارته لشاتيلا قبل أن يدفن العديد من الجثث (أنظر ترجمتي للمقال بالاشتراك مع د. أمينة رشيد، مجلة "المواجهة"، القاهرة، 1983)، ومنهم أيضا الكاتب الإسرائيلي آمنون كابليوك في كتابه المعروف: "صبرا وشاتيلا: تحقيق حول مجزرة"، وقدم الأجانب من الأطباء والممرضين شهاداتهم ونشرت، وتناول المجزرة العديد من الإعلاميين العرب والأجانب في مقالات صحفية وأفلام تسجيلية. ولكن هذا الكتاب، في رأيي، يتميز بميزتين فارقتين: أولهما أنه الأوفى والأشمل، والأكثر تدقيقا، ففيه بحث موثّق يتجاوز كل ما سبقه من دراسات وكتابات، وهو ثانيا، في اعتماده التاريخ الشفهي، يضم شهادات وفيرة هي مصادر أولية لم تتوفر في أي بحث سابق في الموضوع، فتقدم هذا الحدث التاريخي المروّع من منظور مَن عاشوه. باختصار هذا كتاب مؤلم وشديد الأهمية، إنه كتاب الحدود القصوى، الشراسة والبهيمية والعنف في حدِّها الأقصى، والألم الإنساني في حدِّه الأقصى، وجهد البحث أيضا في حدِّه الأقصى. أنتبه الآن وأنا على وشك الانتهاء من مراجعة الكتاب، أنني لم أشر لملحق الصور في نهايته. أعترف أنني حين بدأت في قراءة الكتاب، وطوال فترة قراءته، ثم العودة إليه أثناء كتابة هذه المراجعة، خلعت عنه الغلاف الخارجي الرقيق الذي يحيط بغلافه الكحلي السميك ووضعته جانبا. لم أقدر على التحديق في الصورة الملونة الكبيرة في صدر الغلاف حيث ثلاثة قتلى: فتى قتيل، بالكاد خطّ شاربه، ممددا على الأرض كاملا بملابسه، استقرت رأسه على كتف قتيل آخر، واستقرت على فخذه الأيسر قدما قتيل ثالث، لا يظهر من هذا الفتى سوى حذائه الرياضي وساقيه في بنطلون "جينز". وفي أعلى يسار الصورة، صورة أخرى أصغر لجثمان متفحِّم يصعب تبيّن شيء من ملامحه. كان التعايش مع تلك الصورة محنة حقيقية، لم أحدق طويلا في ملحق الصور. الكتاب بهذا المعنى هو أيضا كتاب الحد الأقصى فيما يثيره في القارئ من مشاعر. رحم الله الشهداء، وأعزّ السيدة التي أرادت بكتابها القيّم أن توفي ببعض ما ندين لهم به. رضوى عاشور مجلة وجهات نظر، يناير 2004